أسامة شرشر يكتب: زلزال سياسى.. زيارة وزير الدفاع السعودى لإيران
أعتقد أن زيارة الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، برفقة حلف مكة، إلى إيران في هذا التوقيت الهام والحساس لم يتوقعها أحد من المحللين والخبراء والمراقبين لما يجري من أحداث درامية في منطقة الشرق الأوسط وهى بمثابة زلزال سياسى.
إن وجود رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن، يعطي دلالة واضحة ومهمة بأن هناك تحركًا يتم خارج الصندوق وخارج الوصاية الأمريكية الإسرائيلية، كما يمنح بصيص أمل في هذا النفق السياسي المظلم، مع الأمل فى أن تكون هذه المفاوضات هناك بادرة لوقف استهداف الحوثيين للمواقع الإستراتيجية والحساسة في السعودية.
وأرى أنه إن تم ذلك، فسيكون بداية جزئية يُبنى عليها حل تفاوضي شامل بين الدول المحورية في المنطقة (مصر، السعودية، باكستان، وتركيا) في تفاوض مباشر مع إيران، انطلاقًا من مبدأ أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، وصولًا إلى تحجيم المشروع الصهيوني الذي أُعِدّ بحرفية وتحالف وثيق بين ترامب ونتنياهو؛ خاصة مع إعلان ترامب دعمه المطلق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورغبته في استمراره للمضي قدمًا في مشروعه التوسعي.
ولا بد أيضًا من التوقف عند دعوة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف؛ فالنداء الذي أطلقه لامس وجدان العالم الإسلامي، مؤكدًا أن الحوار المباشر هو أقصر الطرق للوصول إلى حلول سياسية ودبلوماسية حقيقية، بعيدًا عن لغة الرصاص وآلة الحرب والإبادة غير المسبوقة التي تنتهجها حكومة اليمين الإسرائيلي.
وما يجري الآن من أحداث في الضفة الغربية والخليل، وحصارها بالكامل، واستخدام شتى الطرق المشروعة وغير المشروعة لإبادة الشعب الفلسطيني، يؤكد أن المشروع الإسرائيلي الأمريكي مستمر، وأن حلم إقامة دولة فلسطينية تضم القدس والضفة الغربية وغزة بات خارج حسابات ترامب ونتنياهو تمامًا. إن الهدف الحقيقي لهما هو السيطرة الكاملة على هذه المنطقة من النهر إلى البحر، بل وصل التطرف الصهيوني إلى محاولة التمدد والهيمنة لتشمل المنطقة بأسرها وصولًا إلى طهران مرورًا بالعواصم العربية؛ وهو المخطط الذي يسعون إلى تنفيذه، وللأسف الشديد بأدوات وأيادٍ عربية.
وهنا يبرز التساؤل: هل ما يجرى الآن في طهران يُعد صدمة وزلزالًا سياسيًّا للإدارة الأمريكية والجانب الإسرائيلي؟ أم أن هذه الخطوة والزيارة جاءت بتنسيق مسبق وضمن دائرة «بيت الطاعة» الأمريكي والإسرائيلي؟
لكن دعونا نتوقف عند مآلات ونتائج هذه الزيارة الإستراتيجية الهامة التي تأخرت طويلًا؛ فلو كانت قد تمت قبل تشكيل «حلف مكة» بحضور وزير الدفاع المصري، وعقب الضربات التي وجهتها أمريكا وإسرائيل لإيران، لتغيرت خارطة الأحداث ومسارها بالكامل، وللأسف الشديد، لا بد من الاعتراف بحقيقة المشهد وما رافقه من اصطفافات تمليها التوجيهات والضغوط الأمريكية.
إن هذه الخطوة- حتى وإن كانت نتائجها محدودة أو رمزية- تكسر الجمود القائم، وكان بإمكانها أن تمهد الطريق لتخفيف حدة التوترات بين طهران والرياض، بل ولعودة كاملة للعلاقات المصرية الإيرانية؛ تلك العلاقات التي لا تزال لم تصل إلى المستوى المطلوب، رغم عمق التواصل والتنسيق المعلن وغير المعلن على أعلى المستويات بين قيادتي البلدين والأجهزة المعنية.
وكما أكرر دائمًا: أين دور جامعة الدول العربية؟ ألم يكن حريًّا بها وبأمينها العام أن تلعب دور حلقة الوصل الفعالة بين إيران والدول العربية؟ أم أن مثل هذه المنظمات، كجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، أصبحت عبئًا على الشعوب وخاضعة كليًّا للهيمنة الأمريكية؟ فرغم وجود دول كبرى تملك حق النقض (الفيتو)، إلا أن واشنطن تفرض إرادتها بحكم السيطرة والنفوذ وبحكم المكان والزمان، وخير دليل على ذلك هو منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
كل هذه التساؤلات تشغل الشارع السياسي العربي والإسلامي في ظل حالة عارمة من الإحباط والترقب للمجهول. فإذا عادت الحرب للاشتعال مجددًا عقب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم، فستحل الكارثة الكبرى؛ حيث سيُصاب العالم بالشلل التام في قطاعات الطاقة والغاز وسلاسل إمداد الغذاء، مما ينذر بركود اقتصادي خانق وشبه مجاعة عالمية، وستكون منطقتنا العربية هي أول من يدفع الثمن.
ودعونا نتحدث بصراحة وموضوعية: مصر لن تكون بمنأى عن هذه التداعيات الكارثية، في ظل وجود أكثر من ثمانية ملايين مصري يعملون في السعودية ودول الخليج، وشبح الأزمات الاقتصادية يهدد استقرار الجميع إذا ما وقع هذا الزلزال ونُفذت ضربات عسكرية جديدة ضد إيران.
ومن هذا المنطلق تحديدًا، أرى أن زيارة وزير الدفاع السعودي إلى إيران قد تُسفر، من خلال اللقاءات المباشرة، عن وقف هجمات ميليشيات الحوثي على الشعب السعودي والمنشآت الحيوية في المملكة، بما يمنح المواطن السعودي والمقيمين هناك شعورًا بالأمان الإنساني قبل الاقتصادي أو الاجتماعي. لذلك، فأنا أدعم هذه الخطوة شكلًا ومضمونًا، وكنت أتمنى حدوثها منذ وقت مبكر.
ولا بد من التنبّه لمحاصرة المخططات الإسرائيلية والأمريكية الساعية لإشعال فتيل المنطقة برمتها؛ فهم لا يقيمون وزنًا لمصالحنا، بل كل ما يعنيهم هو تأمين إسرائيل وضمان استمرار تدفق النفط والتريليونات من الدولارات والمكاسب الاقتصادية، حتى وإن احترقت المنطقة، وتفككت الدول العربية إلى دويلات ثم شظايا أصغر تنهي وجودها تمامًا.
لقد بدأ هذا المسار الأخطر مع إعلان ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ وهو ما أراه أشد خطورة حتى من وعد بلفور؛ لأنه يسعى فعليًّا لشطب فلسطين من الخارطة العربية والدولية، وها هو ترامب يسعى اليوم لترسيخ هذا المفهوم وهو البقاء والهيمنة لإسرائيل وحدها، في حين تُترك باقي دول المنطقة، كمصر والسعودية وإيران وباكستان، لمصير مجهول، في عالم لا يقيم وزنًا ولا احترامًا إلا لمنطق ولغة القوة.
ولا شك أن موافقة مجلس الدفاع الوطنى والبرلمان فى مصر على إرسال قوات إلى السعودية فى هذا التوقيت الحرج لا تأتى بهدف الهجوم على اليمن، بل تأكيدًا على دور مصر المحوري الممتد، وترسيخًا لمعادلة أن أمن مصر القومى لا ينفصل عن أمن المملكة ودول الخليج وسائر الدول العربية.
لقد تجسد هذا الموقف المبدئي منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة حين أعلنت مصر بوضوح رفضها التام لمخططات التهجير، وها هي اليوم تؤكد رفضها لأي مساس بالمقدسات في بلاد الحرمين الشريفين، تمامًا كما ترفض تهويد القدس الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
إن الهدف ليس أن تنخرط مصر كطرف في صراع بين الشعبين اليمني والسعودي، وإنما لتأكيد دورها التاريخي والدبلوماسي كوسيط نزيه وركيزة للتوازن، تدفع نحو جمع الأطراف عبر طاولة الحوار والتفاوض السياسي؛ لتفويت الفرصة على مخططات نتنياهو وترامب الساعية لتمزيق المنطقة وإشعالها.
ولا عزاء لنتنياهو ولا للشيطان الأكبر ترامب.


.jpg)

.png)
.jpg)
.jpeg)

.jpg)






