النهار
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 12:28 صـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

مقالات

محمد شوقي يكتب: الدم غالي.. والتراب غالي

الكاتب والباحث الفني محمد شوقي
الكاتب والباحث الفني محمد شوقي

من هذه العبارة كانت السينما على موعد مع توثيق انتصارات أكتوبر وتخليدها، ومع استعادة سنوات طويلة سبقت العبور، حملت الهزيمة والاستنزاف والاستعداد للحرب.

فالسينما إحدى وسائل حفظ الذاكرة، ولم تكن في معزل عن الأحداث السياسية التي مر بها المجتمع، خاصة الحروب، لما تتركه من أثر عميق في حياة الناس.

تأثرت السينما المصرية بحرب أكتوبر 1973، وظهرت بعد الحرب مباشرة أفلام واكبت الحدث وحاولت التعبير عن مشاعر المصريين والعرب في تلك الفترة، وهي الأفلام التي يمكن وضعها في إطار سينما الحدث أو سينما رد الفعل.

لكن قبل أكتوبر كانت هناك أعمال سينمائية عبّرت عن لحظات الانكسار التي عاشها المصريون بعد نكسة 1967.

وفي عام 1972 ظهر فيلم «أغنية على الممر» للمخرج علي عبد الخالق، الذي تدور أحداثه أثناء حرب يونيو 1967، حول مجموعة من الجنود المصريين الذين انقطع اتصالهم بقيادتهم، وظلوا يقاومون رغم هجمات العدو وقلة الإمدادات.

وبين شعور الهزيمة والإصرار على المقاومة، حمل الفيلم روحًا بدت لاحقًا وكأنها تمهّد نفسيًا لما سيأتي، وهو ما أراه حاضرًا في كلمات عبد الرحمن الأبنودي التي تضمنها العمل:

أبكي.. أنزف.. أموت

وتعيشي يا ضحكة مصر

وتعيش يا نيل يا طيب

وتعيش يا نسيم العصر

وتعيش يا قمر المغرب

وتعيش يا شجر التوت

شارك في بطولة الفيلم محمود مرسي ومحمود ياسين وصلاح السعدني وصلاح قابيل وأحمد مرعي ومديحة كامل، وبحسب ما رواه المخرج علي عبد الخالق في حوار ببرنامج «90 دقيقة» على شاشة المحور، فإن الفيلم لم يحقق وقت عرضه نجاحًا جماهيريًا يوازي ما حظي به من تقدير لدى النقاد والمثقفين.

ثم جاء نصر أكتوبر، وكان له أثر كبير في صناع السينما الذين حاولوا التعبير عن فرحة الانتصار والمشاعر التي عاشها المصريون والعرب.

وكان من أبرز المنتجين الذين تحركوا سريعًا رمسيس نجيب، ووفق ما رواه محمود ياسين في برنامج «لسه فاكر» مع الإعلامية نهال كمال، بدأت فكرة «الرصاصة لا تزال في جيبي» يوم العبور، عندما تلقى اتصالًا من رمسيس نجيب للذهاب معه إلى الكاتب إحسان عبد القدوس من أجل الفيلم، بينما بدأ الاستعداد للعمل في 14 أكتوبر 1973.

وعُرض «الرصاصة لا تزال في جيبي» في العام التالي، وأصبح مع مرور الوقت واحدًا من أشهر الأفلام المرتبطة بحرب أكتوبر، بما حمله من مشاعر امتدت من آثار الهزيمة إلى لحظة العبور والانتصار.

ويكفي بالنسبة لي موسيقى عمر خورشيد التي عبّرت عن فرحة النصر وأصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة الفيلم، وكأنني أسمع عزف هذه الموسيقى الآن وأنا أكتب هذه السطور.

وفي الفترة نفسها ظهرت محاولات أخرى، بينها «الوفاء العظيم» و«بدور» و«حتى آخر العمر»، وكانت جميعها جزءًا من محاولة السينما المصرية مواكبة الحدث والتعبير عن مشاعر المجتمع في تلك الفترة.

ثم جاء «العمر لحظة» عام 1978، بعد نحو خمس سنوات من الحرب، وكان في تقديري من أنضج الأفلام التي تناولت تلك المرحلة، لابتعاده نسبيًا عن التأثر المباشر بالحدث، ومحاولته استعادة الفترة الممتدة من النكسة وحرب الاستنزاف وصولًا إلى نصر أكتوبر.

ويُحسب للفيلم أيضًا استعادته مذبحة مدرسة بحر البقر الابتدائية في معالجة درامية مؤثرة، من خلال أغنية «يا بلادي أنا بحبك يا بلادي»، التي كتب كلماتها الشاعر فؤاد حداد ولحنها بليغ حمدي، وغناها الأطفال، لتصبح واحدة من الأغنيات المرتبطة في الذاكرة الفنية بمأساة بحر البقر.

وفي «العمر لحظة» قالت ماجدة الصباحي العبارة التي اخترتها عنوانًا لهذه السطور:

«الدم غالي والتراب غالي»

وكأنها وصف للحالة النفسية والإنسانية التي عاشها المصريون خلال سنوات الحرب.

وبعد الموجة الأولى التي أعقبت الحرب، تراجع إنتاج الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر بصورة مباشرة، قبل أن تبدأ ملامح سينما الحرب في الظهور مجددًا مع أفلام التليفزيون في بداية التسعينيات.

ومن أهم هذه التجارب «حكايات الغريب» عام 1992، وهو عمل من نوعية مختلفة، لم يعتمد على تقديم المعركة بصورة مباشرة، وإنما تناول الإنسان المصري وذاكرة الحرب بأسلوب مختلف، وترك لنا عبارة بقيت حاضرة كلما أعدنا مشاهدة العمل:

«وأقر على مسئوليتي أن السائق عبد الرحمن أو أيًا كان اسمه قد منحنا شرفًا أرجو أن نستحقه»

ثم جاء «الطريق إلى إيلات» عام 1994، ورغم أنه فيلم تليفزيوني ولم يُعرض على شاشة السينما، فإنه أصبح واحدًا من أشهر الأعمال الحربية لدى الجمهور.

وتناول الفيلم عمليات نفذتها عناصر من الضفادع البشرية المصرية ضد أهداف إسرائيلية في ميناء إيلات خلال حرب الاستنزاف، واستطاعت المخرجة إنعام محمد علي أن تقدم من خلاله عملًا ظل حاضرًا في ذاكرة أجيال من المشاهدين.

وجاءت بعد ذلك أفلام أخرى تناولت الحرب وما سبقها، بينها «حائط البطولات»، الذي تم تصويره عام 1998، لكنه تأخر في الوصول إلى الجمهور لأكثر من 15 عامًا، قبل عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2014، ثم «يوم الكرامة» عام 2004.

وبرغم ما بُذل من جهد في الفيلمين، فإنهما، من وجهة نظري، لم يحققا النجاح الفني والجماهيري الذي كنت أرجوه لأعمال تتناول هذه المرحلة المهمة من تاريخ مصر، مع اختلاف ظروف إنتاج كل فيلم وعرضه.

وفي عام 2019 جاء فيلم «الممر» للمخرج شريف عرفة ليعيد سينما الحرب بقوة إلى الشاشة، متناولًا الفترة التي أعقبت هزيمة يونيو 1967 وبدايات حرب الاستنزاف من خلال مجموعة من رجال الصاعقة المصرية.

ورغم أن «الممر» لا يتناول حرب أكتوبر نفسها، فإنه قدم نموذجًا حديثًا للفيلم الحربي المصري، وجمع بين مشاهد العمليات العسكرية والجوانب الإنسانية لشخصياته، وأعاد إلى الواجهة من جديد إمكانية تقديم هذه المرحلة سينمائيًا بصورة تجذب الجمهور.

وهذا ما يجعلنا نتمنى أن نرى أفلامًا أخرى تذهب هذه المرة إلى حرب أكتوبر نفسها، وتقترب من زواياها وحكاياتها العديدة التي لم تصل إلى الشاشة حتى الآن.

فبعد أكثر من نصف قرن على العبور، لا تزال أكتوبر تحمل من القصص والشخصيات والتفاصيل ما يكفي لعشرات الأفلام.

أفلام تحفظ الذاكرة، وتروي للأجيال الجديدة كيف كان الدم غاليًا، وكيف كان التراب غاليًا.