“واحد من 3 في العالم”.. إبراهيم بلال ينحت المستحيل على سن قلم رصاص
في عالم اعتاد فيه الناس رؤية التماثيل والمنحوتات بأحجام كبيرة، اختار الفنان التشكيلي ونحات المصغرات إبراهيم بلال أن يخالف المألوف، ويحوّل سن قلم الرصاص إلى مساحة تحمل تفاصيل منحوتات كاملة، في تجربة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
إبراهيم بلال، فنان تشكيلي يبلغ من العمر 34 عامًا، من مدينة رشيد ، تخريج من كلية الحقوق، لكنه اختار أن يسلك طريق الفن، حتى أصبح واحدًا من عدد قليل للغاية حول العالم ممن يمارسون هذا النوع من النحت الدقيق، ويؤكد أن المحترفين في هذا المجال لا يتجاوزون نحو ثلاثة أشخاص على مستوى العالم.
البداية.. تجربة بالصدفة
لم تبدأ الحكاية داخل ورشة مجهزة أو بعد دراسة متخصصة، وإنما جاءت بالصدفة قبل نحو 8 سنوات، عندما كان إبراهيم يتابع فنانًا تايوانيًا ينحت مجسمات بسيطة على سن قلم الرصاص.
أثارت التجربة فضوله، وبدأ يسأل نفسه: هل يستطيع هو أيضًا تنفيذ منحوتات بهذه الطريقة؟
اشترى قلم رصاص و“كاتر” عاديًا، وبدأ المحاولة، رغم أنه لم يكن يعرف الأدوات المناسبة أو التقنيات المستخدمة في هذا النوع من النحت ، لم تكن المحاولة الأولى ناجحة، ولا الثانية، ولا حتى العاشرة، إذ يقول إنه خاض نحو 20 محاولة في البداية، قبل أن يتمكن أخيرًا من تنفيذ منحوتة بسيطة على شكل قلب.
كانت تلك اللحظة بمثابة نقطة تحول؛ فقد شعر بأنه بدأ يفهم طبيعة خامة الرصاص وكيف يمكن تطويعها، ومن هنا بدأ ينتقل تدريجيًا من الأشكال البسيطة إلى أعمال أكثر تعقيدًا وتفصيلًا ،ومع مرور الوقت، أصبح يتعامل مع سن قلم الرصاص وكأنه قطعة من الطين أو الحجر، ولم يعد حجم الخامة بالنسبة له عائقًا أمام تنفيذ الفكرة.
من الهواية إلى الاحتراف
في البداية، كان إبراهيم يمارس النحت في أوقات فراغه باعتباره هواية، لكن ردود أفعال الجمهور بدأت تغير مسار التجربة.
انتشار صوره وأعماله على مواقع التواصل الاجتماعي، وتفاعل أشخاص من دول مختلفة معها، ثم تواصُل الجمهور معه وإقامة المعارض وظهور اسمه بشكل أكبر، كلها عوامل جعلته يدرك أن الأمر تجاوز حدود الهواية.
ومع الوقت، أصبح لهذا الفن جمهور من دول مختلفة، ليقرر إبراهيم الاستمرار بشكل أكثر احترافية، خاصة أن عدد الفنانين القادرين على تنفيذ هذا النوع من النحت محدود للغاية.
كيف ينحت على سن قلم؟
وراء كل منحوتة يبدأ إبراهيم من الخيال، إذ يتصور الشكل الذي يريد تنفيذه أولًا، ثم ينقل الفكرة إلى الورق، وبعدها يبدأ في إعادة تخيلها بحجمها الأصغر على سن القلم.
ومن هنا تبدأ مرحلة التنفيذ، التي تحتاج إلى تركيز شديد وقدرة على التعامل مع مساحة شديدة الصغر، حتى تتحول الفكرة الموجودة على الورق إلى منحوتة حقيقية.
وبالنسبة لإبراهيم، فإن المفاجأة التي يشعر بها الجمهور عند رؤية أعماله نابعة من التناقض بين حجم المنحوتة وما تحمله من تفاصيل؛ فالمشاهد معتاد على رؤية تمثال كبير يحمل تفاصيل معينة، ثم يجد التفاصيل نفسها تقريبًا في مساحة لا تتجاوز بضعة مليمترات.
أبو سمبل في نصف سنتيمتر
من أبرز أعمال إبراهيم التي لاقت تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي منحوتة لواجهة معبد أبو سمبل ، نجح في تنفيذ واجهة المعبد، بما تحمله من تماثيل الملك رمسيس الثاني وتفاصيلها، في مساحة لا تتجاوز نصف سنتيمتر، أي نحو 5 مليمترات.
ويعتبر إبراهيم هذا العمل من أكثر التجارب التي بذل فيها وقتًا ومجهودًا كبيرين، كما كان بالنسبة له تحديًا حقيقيًا، خاصة مع حجم التفاصيل المطلوب تنفيذها في مساحة بالغة الصغر.
وعندما ينتهي من أي منحوتة، يشعر بأنه أنجز شيئًا استثنائيًا، خاصة أن هذا النوع من النحت لا يستطيع تنفيذه سوى عدد محدود جدًا من الفنانين حول العالم.
“مش كل الناس هتشوفه فن”
يقول إبراهيم إن هناك من يرى هذا النوع من النحت أمرًا تافهًا ولا يعتبره فنًا، بينما ترى الغالبية العظمى أن ما يقدمه استثنائي ومتفرد، وأنه يمارس مجالًا لا يستطيع عدد كبير من البشر ممارسته.
أما هو، فيتعامل مع الانتقادات بهدوء، ويرى أن الفن في النهاية مسألة ذوق، لذلك يفضل الصمت أمام من لا يرى قيمة لما يقدمه، لأنه لا يستطيع أن يفرض على شخص أن يتذوق فنه بالطريقة نفسها التي يتذوقه بها هو.
ويؤكد أن استمراره لا يرتبط فقط بإعجاب الناس بأعماله، وإنما لأنه يحب هذا الفن ويشعر بأنه المجال الذي يستطيع أن يقدم نفسه من خلاله.
“الموهبة تسبق التعلم”
وبالرغم من صعوبة هذا النوع من النحت، يرى إبراهيم أن تعلمه ممكن، لكنه يفرق بين تعلم المهارة وامتلاك الموهبة.
ويقول: “أنا عندي المقدرة إن أنا أخليك تنحت، بس ما أقدرش أخليك موهوب في النحت”،فالتعلم من وجهة نظره يمكن أن يساعد الشخص على تطوير قدراته، لكن الموهبة هي الأساس الذي يبدأ منه الفنان.
أكثر من 180 منحوتة
خلال نحو 8 سنوات، تجاوز عدد الأعمال التي نفذها إبراهيم 180 منحوتة، تنوعت بين أعمال بيعت، وأخرى شاركت في معارض، وأعمال أخرى لم يرها الجمهور حتى الآن.
ولا يضع إبراهيم نفسه في قالب واحد، فهدفه ليس الاقتصار على موضوع بعينه، وإنما استغلال المساحة الصغيرة لتنفيذ أفكار ومنحوتات مختلفة.
ومع ذلك، تحتل الحضارة المصرية القديمة مكانة خاصة في تجربته الفنية، إذ يؤكد أن الآثار المصرية كانت من أهم الأسباب التي جعلت الجمهور يتعرف إليه وإلى أعماله، وأنه يشعر بامتنان كبير للحضارة المصرية التي ساهمت في انتشار تجربته.
حلم أكبر من سن القلم
لا يتوقف طموح إبراهيم عند تنفيذ منحوتة جديدة، إذ يحلم بتأسيس أول متحف خاص بفن المصغرات في الشرق الأوسط.
ويشير إلى أن هذه الفكرة غير موجودة في الوطن العربي، بينما يوجد متحف متخصص في فن المصغرات بألمانيا، ولذلك يرى أن إنشاء متحف مماثل في المنطقة يمكن أن يمنح هذا الفن مساحة أكبر ويكون له صدى واسع في الشرق الأوسط.
أما المنحوتة التي يحلم بتنفيذها في الفترة المقبلة، فهي طريق الكباش كاملًا على سن قلم رصاص واحد، ويعترف بأنه لا يعرف حتى الآن كيف سينفذ الفكرة، لكنه لا يرى صعوبة البداية سببًا للتراجع، خاصة أن معظم أعماله السابقة بدأت بالطريقة نفسها؛ فكرة لا يعرف في البداية كيف يمكن تنفيذها، ثم تتحول مع المحاولات إلى عمل حقيقي.
عائلته.. مصدر الطاقة
وراء رحلة إبراهيم، يقف دعم عائلته، التي يعتبرها العامل الأهم في استمراره، وفي مقدمتها والداه الراحلان، ثم زوجته وابنته، اللتان أصبحتا مصدرًا أساسيًا للدعم والطاقة في حياته.
ورغم لحظات الإحباط والانتقادات التي قد يتعرض لها، يؤكد إبراهيم أنه لا يستطيع تخيل نفسه بعيدًا عن الفن، رغم أن دراسته الأصلية كانت في كلية الحقوق.
وهكذا تحولت مصادفة بدأت بقلم رصاص و“كاتر” عادي إلى رحلة فنية امتدت لنحو 8 سنوات، صنعت من إبراهيم بلال واحدًا من عدد محدود للغاية من الفنانين القادرين على تحويل أصغر مساحة ممكنة إلى منحوتة تحمل تفاصيل يصعب تصديق أنها نُفذت على سن قلم.
وبين أكثر من 180 عملًا أنجزها حتى الآن، وحلم بتنفيذ طريق الكباش، وطموح بإنشاء أول متحف لفن المصغرات في الشرق الأوسط، يواصل إبراهيم رحلته في عالم يبدو فيه المستحيل مجرد بداية لفكرة جديدة.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







