تداول صورة لعشرات العصافير فوق إحدى العمارات.. هل تبحث عن مأوى؟
تداول بعض الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، صورة لأعداد كبيرة من العصافير وهي متجمعة على واجهة إحدى العمارات، وسط تفاعل واسع مع المشهد وتساؤلات حول سبب تجمع الطيور بهذا الشكل.
وأثار المشهد حالة من التفاعل، خاصة أن العصافير ظهرت بأعداد كبيرة وهي تقف متجاورة على واجهة المبنى، في صورة دفعت البعض إلى البحث عن تفسير لهذا السلوك غير المعتاد في المكان.
ورغم أن الصورة المتداولة لا تكفي وحدها لتحديد سبب تجمع العصافير في هذا المكان، فإنها أعادت إلى الواجهة الحديث عن علاقة الطيور بالغطاء النباتي داخل المدن، وتأثير التغيرات التي تطرأ على البيئة المحيطة بها.
فالأشجار، وخاصة الأشجار الكبيرة، لا تمثل عنصرًا جماليًا في الشوارع والميادين فقط، وإنما تؤدي أدوارًا بيئية متعددة، من بينها توفير أماكن للطيور والكائنات الصغيرة للراحة والمبيت والاحتماء، إلى جانب ما توفره من ظل وتحسين للظروف المناخية المحلية.
ولا يقتصر الأثر البيئي لإزالة الأشجار على ارتفاع درجات الحرارة أو فقدان الظل، وإنما يمتد إلى فقدان العديد من الوظائف والخدمات البيئية التي تقدمها الأشجار بصورة مستمرة على مدار سنوات.
فالشجرة الكبيرة التي ظلت في أحد الشوارع لعشرات السنين لم تكن موجودة باعتبارها جذعًا وأغصانًا وأوراقًا فقط، وإنما أصبحت خلال سنوات نموها جزءًا من البيئة المحيطة بها، تستفيد منها الطيور والحشرات والكائنات الأخرى، وتتكون حولها منظومة صغيرة قد لا يلاحظها الإنسان بشكل مباشر.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الأشجار باعتبارها جزءًا من منظومة بيئية متكاملة، وليس مجرد عنصر يمكن استبداله بسهولة بزراعة شتلة جديدة.
فالشجرة التي استغرق نموها سنوات طويلة لا يمكن أن يؤدي البديل الصغير وظائفها البيئية نفسها فور زراعته، كما أن استعادة حجم الظل والقدرة على توفير المأوى للكائنات المختلفة تحتاج إلى وقت طويل.
ولا يعني ذلك أن المدن لا تحتاج إلى التطوير أو أن إزالة الأشجار تكون دائمًا دون مبرر، وإنما يطرح سؤالًا أكثر أهمية حول كيفية اتخاذ قرارات الإزالة، ومدى ضرورة كل حالة، وما إذا كانت هناك بدائل تحافظ على الأشجار القائمة كلما أمكن ذلك.
كما أن زراعة أشجار جديدة لا ينبغي أن تكون مجرد أرقام تعوض أعداد الأشجار التي تمت إزالتها، وإنما يجب أن يرتبط الأمر باختيار الأنواع المناسبة للمكان، وضمان قدرتها على النمو والاستمرار، ومتابعتها بعد الزراعة حتى تصل إلى الحجم الذي يسمح لها بأداء دور بيئي حقيقي.
فالفرق كبير بين أن نقول إننا زرعنا شجرة، وبين أن نقول إننا استعدنا الوظيفة البيئية التي فقدناها.
والتغيرات البيئية الناتجة عن فقدان الأشجار لا تظهر بالضرورة في اليوم نفسه الذي تتم فيه الإزالة، وإنما قد تتراكم بمرور الوقت، ومعها تبدأ بعض التفاصيل التي اعتاد الناس وجودها في البيئة المحيطة في التغير تدريجيًا.
طيور كانت تجد مكانًا للمبيت، وحشرات كانت تعتمد على الأشجار، وظلال كانت تخفف من قسوة الشوارع، ومساحات خضراء كانت تشكل جزءًا من المشهد اليومي للمدينة.
وربما لهذا تبدو صورة العصافير المتجمعة على واجهة العمارة أكثر من مجرد صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
هي مشهد صغير، لكنه يفتح بابًا لسؤال أكبر: ماذا يحدث للكائنات التي اعتادت أن تجد احتياجاتها داخل الأشجار، عندما تختفي الأشجار من المكان؟
ورغم عدم إمكانية ربط الصورة المتداولة بشكل مباشر بإزالة الأشجار أو اعتبارها دليلًا على ذلك، فإنها تذكرنا بأن البيئة الحضرية ليست للإنسان وحده، وأن أي تغيير في مكوناتها يمكن أن ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على كائنات أخرى تعيش معنا في المكان نفسه.
فمع كل شجرة تختفي من الشوارع، لا نفقد فقط منظرًا أخضر أو مساحة من الظل، وإنما قد نفقد جزءًا من البيئة التي اعتادت عليها كائنات تعيش معنا دون أن نشعر بوجودها.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)







