الأنبا عمانوئيل عياد: مصر وطن واحد.. والاختلاف الديني لا يلغي الشراكة في الإنسانية والمصير
أكد الأنبا عمانوئيل عياد، مطران ايبارشية طيبة والاقصر وتوابعها للأقباط الكاثوليك، أن التجربة المصرية في التعايش بين المسلمين والمسيحيين تمثل نموذجا راسخا في العيش المشترك وبناء السلام، مشددا على أن مصر وطن واحد يجمع أبناءه تاريخ وذاكرة ومستقبل مشترك.
جاء ذلك خلال مشاركته في فعاليات البرنامج المصري - الفلبيني للقيادات الدينية للحوار والتعايش وبناء السلام، الذي تنظمه وزارة الأوقاف تحت عنوان "التجربة المصرية في التعايش السلمي وبناء مجتمع يتسع للجميع".
مصر.. شعب واحد رغم اختلاف العقائد
وقال الأنبا عمانوئيل إن المسلمين والمسيحيين في مصر لا يمثلون جماعتين منفصلتين، بل يشكلون كيانا وطنيا واحدا صنعته الأرض والتاريخ والثقافة واللغة والذاكرة المشتركة.
وأوضح أن الاختلاف في العقيدة لم يمنع المصريين من بناء علاقات طبيعية تجمعهم كجيران وزملاء وأصدقاء، مشيرا إلى أن تفاصيل الحياة اليومية تعكس حقيقة وحدة النسيج الوطني، حيث يجتمع أبناء الوطن الواحد في المدارس وأماكن العمل والمنازل والمناسبات المختلفة.
وأضاف أن المواطن المصري لا يحمل في حياته اليومية "بطاقة تعريف دينية"، بل يظهر أولا باعتباره مصريا، مؤكدا أن الحديث عن وحدة النسيج الوطني ليس مجرد شعار، وإنما واقع اجتماعي عاشه المصريون عبر أجيال.
الأعياد والمناسبات.. جسور للمحبة
وأشار مطران الاقصر إلى أن الأعياد والمناسبات الدينية تقدم واحدة من أكثر صور التعايش المصري وضوحا، من خلال تبادل التهاني والهدايا والمشاركة في أجواء الفرح بين المسلمين والمسيحيين.
ولفت إلى أن المشاركة لا تتوقف عند الأعياد، بل تظهر كذلك في الأفراح والأحزان ومواقف العزاء، حيث يقف الجار إلى جوار جاره، ويتشارك أبناء الوطن الواحد مشاعر الفرح والحزن.
وأكد أن هذه الممارسات اليومية تعبر عن التعايش بصورة أعمق من عشرات الخطب والكلمات، لأنها تعكس علاقة إنسانية راسخة بين أبناء المجتمع.
المسجد والكنيسة.. صورة متكررة لوحدة المجتمع
وتناول الأنبا عمانوئيل مشهد وجود الكنائس والمساجد متجاورة في العديد من المدن والقرى المصرية، مؤكدا أن هذا المشهد يحمل دلالة واضحة على طبيعة المجتمع المصري واحترام أبنائه للمقدسات ودور العبادة.
وأوضح أن احترام المسجد والكنيسة لا يمثل مجرد مجاملة اجتماعية، بل يعد عنصرا أساسيا في بناء المواطنة والسلام المجتمعي، مشددا على أهمية احترام حق كل إنسان في معتقده وعبادته مع المشاركة الكاملة في الحياة الوطنية.
الدولة ودعم المواطنة
وأكد الأنبا عمانوئيل أن ترسيخ التعايش السلمي لا ينفصل عن دور الدولة في دعم المواطنة وحماية حقوق المواطنين وضمان ممارسة الشعائر الدينية.
وأشار إلى ما وصفه بالاهتمام المتزايد بدور العبادة وبناء وترميم المساجد والكنائس، باعتبار ذلك جزءا من دعم ممارسة الشعائر وترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين.
كما أشاد بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في المناسبات الدينية للمصريين، ولا سيما احتفالات عيد الميلاد المجيد، معتبرا ذلك رسالة عملية تؤكد وحدة المجتمع المصري.
وتوقف عند مشهد كاتدرائية ميلاد المسيح ومسجد الفتاح العليم في العاصمة الادارية الجديدة، باعتبارهما رمزا معماريا للوحدة الوطنية، إلى جانب قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس وتقنين أوضاع عدد من المباني القائمة.
بيت العائلة المصرية.. الحوار يتحول إلى عمل مؤسسي
وشدد الأنبا عمانوئيل على أهمية التعاون بين الازهر والكنيسة ووزارة الأوقاف في دعم قيم الاعتدال والحوار والمواطنة، مشيرا إلى تجربة بيت العائلة المصرية الذي تأسس عام 2011 ليكون إطارا وطنيا يجمع ممثلي المؤسسات الدينية.
وأوضح أن بيت العائلة لا يقتصر دوره على اللقاءات والمناسبات، وإنما يعمل على تعزيز التواصل ومعالجة المشكلات ونشر ثقافة التفاهم والاحترام المتبادل، من خلال لجان تهتم بالتعليم والإعلام والمرأة والشباب، وفروع في مختلف المحافظات.
وأكد أن الحوار الحقيقي بين الأديان لا يعني إلغاء الاختلافات العقائدية، وإنما يتيح للمختلفين دينيا أن يتعارفوا ويتعاونوا لخدمة الصالح العام، مع احتفاظ كل طرف بهويته وإيمانه.
الكنيسة الكاثوليكية.. خدمة المجتمع دون تمييز
وأكد مطران الاقصر أن الكنيسة الكاثوليكية تمثل جزءا أصيلا من الحياة المصرية، وتشارك في دعم المجتمع من خلال مؤسساتها التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية.
وأشار إلى دور المدارس الكاثوليكية في غرس القيم الإنسانية، إلى جانب المستشفيات والمستوصفات والمؤسسات الخيرية التي تقدم خدماتها للمحتاجين، فضلا عن الاهتمام بالفنون والأنشطة الثقافية باعتبارها أدوات لبناء الإنسان والارتقاء بالمجتمع.
رسالة مصر إلى العالم
واعتبر الأنبا عمانوئيل أن التجربة المصرية في الحوار بين الأديان تجاوزت حدودها المحلية، مستشهدا بزيارات البابا يوحنا بولس الثاني إلى مصر عام 2000، والبابا فرنسيس عام 2017، وما شهدته من لقاءات مع قيادات الازهر ودعوات لتعزيز الحوار الاسلامي المسيحي.
كما أشار إلى وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها البابا فرنسيس وشيخ الازهر الدكتور أحمد الطيب في 4 فبراير 2019، باعتبارها ثمرة لمسار طويل من الحوار وفتح آفاق جديدة للتعاون وبناء السلام.
نختلف في العقيدة ونتفق في الإنسانية
واختتم الأنبا عمانوئيل عياد رسالته بالتأكيد على أن التعايش الحقيقي لا يقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على تحويله إلى مساحة للتعارف والاحترام، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة للمجتمع.
وقال إن مصر لا تحتاج إلى أن يتشابه أبناؤها حتى يعيشوا معا، فالمسجد والكنيسة يمكن أن يكونا موضعي عبادة واحترام، بينما يظل الوطن هو المساحة التي تجمع الجميع.
وشدد على أن السلام الحقيقي يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، من المدرسة والعمل والجيرة وزيارة المريض ومشاركة الآخرين أفراحهم وأحزانهم واحترام مقدساتهم، مؤكدا أن مصر ستظل وطنا واحدا وشعبا واحدا، وأن اختلاف العقيدة لا يلغي الشراكة في الإنسانية والوطن والمصير.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






