«قاربتُ سنّ العنوسة».. رشا هشام تكتب عن حق المرأة في أن تختار لا أن تُختار
تضع الكاتبة السورية رشا هشام القارئ منذ العنوان الداخلي للنص أمام عبارة شديدة الحساسية اجتماعيًا: «قاربتُ سنّ العنوسة».
لكنها لا تستخدمها بوصفها حكمًا على المرأة، بل بوصفها المصطلح الذي يفرضه المجتمع عليها، ثم تبدأ في تفكيكه والسخرية من المنظومة التي تقف خلفه.
أبرز ما يلفت في القصيدة هو تحويل «جارات الحي» إلى لجنة رقابة اجتماعية، في صورة ساخرة تقول فيها:
«كأنّهنّ لجنة جردٍ للنساء»
وهنا تتحول الجارات من شخصيات هامشية إلى رمز لمجتمع يراقب عمر المرأة، ويسألها باستمرار عن سبب تأخر زواجها، وكأن الزواج موعد إلزامي لا خيارًا شخصيًا.
ثم تنتقل هشام من نقد السؤال التقليدي «ماذا تنتظرين؟» إلى الإجابة الأكثر جوهرية: هي لا تنتظر رجلًا مثاليًا، وإنما تنتظر ألّا تفقد نفسها داخل العلاقة. وتظهر هذه الفكرة بوضوح في قولها:
«وأنا أنتظر ألّا أدخل بيتًا
وأخرج منه امرأةً
تحتاج إلى سنواتٍ
كي تتذكّر اسمها»
وهي من أقوى صور النص؛ لأنها تختصر الخوف الحقيقي الذي تقف وراءه حالات الرفض: الخوف من الزواج الذي يمحو هوية المرأة، لا الخوف من الزواج نفسه.
وتمنح الكاتبة لكل نموذج من الرجال الذين رفضتهم سببًا مختلفًا.
الأول يريد أن يجعل منها جزءًا من صورته أمام المجتمع، والثاني يتعامل مع جمالها باعتباره إضافة إلى مظهره الاجتماعي، والثالث يحاول اختزال العلاقة في المال.
وفي مقطع لافت، تستخدم هشام السخرية اللاذعة عندما تصف الرجل الذي كان يرى نفسه «أجمل شاب في الكون»، ثم تعلق على أنفه الكبير قائلة إنه «كان يحتاج إلى خريطة كي يعرف من أين يبدأ وجهه». هذه المفارقة تخفف من جدية الموضوع، وتمنح النص مساحة من الطرافة، كما تكشف أن الكاتبة لا تريد تقديم خطاب وعظي مباشر، وإنما تستخدم السخرية كسلاح نقدي.
أما أكثر المقاطع وضوحًا في الرسالة الاجتماعية، فيأتي مع المال:
«كنتُ أخشى أن أربكهُ
إذا عرف أنّ المرأة
ليستْ سلعةً
تقاس قيمتها بما يُدفع فيها»
هنا تنتقل القصيدة من التجربة الشخصية إلى موقف أوسع من النظرة التي تختزل قيمة المرأة في المال أو الشكل أو «اختيار الرجل» لها.
وتعود الكاتبة إلى البيت، حيث لا ينتهي قرار الرفض عند صاحبة القرار، بل يتحول إلى عبء اجتماعي عليها، فتقول إن كل رفض يترك «كرسيًا إضافيًا للعتب». وهي صورة موفقة؛ فالكرسي هنا ليس مجرد قطعة أثاث، وإنما رمز للمحاسبة الاجتماعية المتزايدة.
وتبلغ القصيدة ذروتها في خاتمتها، حين تعيد تعريف النجاح في الزواج. فليست المشكلة أن تكون المرأة هي التي «أحسن الرجل اختيارها»، وإنما أن تكون هي صاحبة القرار:
«أريدُ أن أكون
المرأة التي أحسنتِ الاختيار لنفسها»
هذه النهاية تمنح النص معناه الأساسي: الزواج ليس شهادة نجاح للرجل الذي اختار امرأة، وإنما قرار مشترك، والمرأة ليست طرفًا ينتظر أن يُختار.
التقييم الصحفي
صحفيًا، القصيدة تصلح مادة لتقرير عن تحولات الخطاب الاجتماعي حول الزواج والعنوسة واختيار المرأة لشريك حياتها، خصوصًا أن رشا هشام لا تهاجم الزواج، وإنما ترفض أن يتحول الزواج إلى مبرر لإلغاء الذات.
كما أن قوة النص في اعتماده على تجربة شخصية متخيلة أو مستحضرة في صيغة الاعتراف، ثم توسيعها لتصبح قضية عامة. وهذا يمنح التقرير زاوية إنسانية أقوى من مجرد الحديث عن «العنوسة» باعتبارها ظاهرة اجتماعية.
واللافت أيضًا أن القصيدة لا تكتفي بتقديم المرأة باعتبارها «ضحية» لضغط المجتمع؛ بل تقدمها باعتبارها صاحبة قرار، قادرة على الرفض، ومستعدة لتحمل تبعاته الاجتماعية مقابل الاحتفاظ بذاتها.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






