مدحت يوسف للنهار : مصر تستورد 1.25 مليون طن سولار لتغطية احتياجات 3 أشهر.. والمصافي الحالية لا تكفي لسد الفجوة
كشف المهندس مدحت يوسف، الرئيس الأسبق للهيئة المصرية العامة للبترول، عن احتياجات مصر من استيراد عدد من المنتجات البترولية الرئيسية لتغطية الفجوة بين المتاح محليًا والاستهلاك، مؤكدًا أن معامل التكرير المصرية بوضعها الحالي لا تستطيع زيادة إنتاج البنزين والسولار بالقدر الكافي لتغطية كامل احتياجات السوق المحلية.
وقال يوسف، في تصريحات خاصة، إن «العجز الحقيقي هو ما يتم استيراده من الخارج لسد هذا العجز»، مشيرًا إلى أن هيئة البترول استوردت لتغطية احتياجات ثلاثة أشهر نحو 1.25 مليون طن من السولار، و400 ألف طن من بنزين 95، و500 ألف طن من البوتاجاز.
وبحساب المتوسط الشهري للكميات التي ذكرها يوسف، فإنها تعادل نحو 417 ألف طن سولار، و133 ألف طن بنزين 95، و167 ألف طن بوتاجاز شهريًا.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية والمخاوف المرتبطة بحركة التجارة في مضيق هرمز، إذ تكشف حجم الكميات التي يتعين توفيرها من السوق الخارجية حتى مع استمرار عمل معامل التكرير المحلية.
أين ذهبت زيادة إنتاج المصافي؟
وعن مقدار الزيادة التي حققتها معامل التكرير المصرية خلال 2026 مقارنة بنمو الاستهلاك المحلي، قال يوسف إن هيئة البترول ووزارة البترول لم تعلنا بصورة مجمعة مقدار الزيادة التي حققتها معامل التكرير المصرية.
وأشار إلى أن النتائج التي أعلنتها شركات التكرير نفسها تظهر تفاوتًا واضحًا بين حجم الخام المكرر والطاقات المتاحة في عدد من المعامل.
وقال يوسف إن شركة النصر للبترول كررت نحو 1.5 مليون طن، مقابل طاقة للمعمل يقدرها بنحو 5.5 مليون طن، فيما كررت شركة السويس لتصنيع البترول نحو 1.4 مليون طن، مقابل طاقة يقدرها بنحو 3.5 مليون طن.
وتتفق كميات الخام المكرر التي أشار إليها رئيس هيئة البترول الأسبق مع الأرقام التي أعلنتها وزارة البترول عن نتائج أعمال الشركتين للعام المالي 2025/2026، إذ أعلنت الوزارة أن النصر للبترول كررت نحو 1.5 مليون طن من الخام، فيما كررت السويس لتصنيع البترول قرابة 1.4 مليون طن.
أما أرقام الطاقة التي ذكرها يوسف للمعملين، فهي تقديراته للطاقة المتاحة، ولم يتضمن بيان النتائج الأخير للوزارة مقارنة مباشرة بين تلك الأرقام والإنتاج الفعلي.
الإسكندرية ترفع التشغيل.. لكنها لم تصل إلى الطاقة الكاملة
وأشار يوسف كذلك إلى أن الإسكندرية للبترول تعمل عند نحو 80% من طاقتها.
وتظهر البيانات الرسمية للشركة صورة قريبة من ذلك؛ إذ أعلنت وزارة البترول أن زيادة إمدادات الخام ساهمت في رفع معدل تشغيل المصفاة من نحو 70% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026 إلى 83% خلال الربعين الأخيرين.
وأدت زيادة التشغيل إلى ارتفاع إنتاج عدد من المنتجات؛ حيث ارتفع إنتاج البوتاجاز بنسبة 46% مقارنة بالعام السابق، والمازوت 25%، والنافتا اللازمة لإنتاج البنزين 9%، والسولار 6%، ووقود الطائرات والكيروسين 16%.
لكن تلك النسب لا تكشف بمفردها مقدار مساهمة الزيادة في خفض فجوة الاستيراد، في غياب إعلان موحد يضع إنتاج واستهلاك وواردات كل منتج خلال الفترة الزمنية نفسها.
لماذا لا تستطيع المصافي سد كامل الاحتياجات؟
وحول قدرة معامل التكرير على زيادة الإنتاج سريعًا إذا تعرضت سوق المنتجات البترولية العالمية لأزمة، استبعد يوسف قدرة المصافي الحالية على تغطية كامل احتياجات البلاد.
وقال إن المشكلة ترتبط بطبيعة التصميم التكنولوجي لعدد من معامل التكرير المصرية، وعدم توافر وحدات تحويلية معقدة بالقدر الكافي لزيادة إنتاج المنتجات مرتفعة الطلب مثل السولار والبنزين.
وأضاف أن هذه القدرات تتوافر بصورة أكبر في مصفاتي ميدور بالإسكندرية والمصرية للتكرير بمسطرد.
وتسمح الوحدات التحويلية المتقدمة بمعالجة المنتجات الثقيلة الناتجة عن عملية التكرير وتحويل جزء منها إلى منتجات أخف وأعلى قيمة يحتاجها السوق، بدلًا من الاكتفاء بالتقطير التقليدي للخام.
يوسف يقترح إعادة هيكلة معامل السويس
ودعا رئيس هيئة البترول الأسبق إلى الإسراع في تطوير معامل التكرير بمنطقة السويس، مقترحًا دمجها في كيان واحد وإضافة وحدات تحويلية جديدة ذات طاقات كبيرة.
وقال يوسف إن التطوير المطلوب يجب أن يشمل وحدات للتكسير الهيدروجيني والتفحيم، وبطاقات تفوق القدرات الموجودة حاليًا في بعض معامل التكرير المتطورة.
وتستهدف تكنولوجيا التكسير الهيدروجيني تحويل أجزاء من المنتجات الثقيلة إلى منتجات أخف، من بينها السولار عالي الجودة، بينما تسمح وحدات التفحيم بمعالجة المتبقيات الثقيلة وإنتاج منتجات أعلى قيمة.
وتعمل وزارة البترول بالفعل على مشروعات لتطوير منظومة التكرير في السويس، ومن بينها مشروعات تستهدف تحويل المنتجات الثقيلة منخفضة القيمة إلى منتجات أعلى قيمة والمساهمة في زيادة إنتاج السولار والبوتاجاز وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
المصافي القديمة.. هل تحولت الأزمة العالمية إلى فرصة ضائعة؟
وطرح يوسف زاوية اقتصادية أخرى تتعلق بجدوى تشغيل معامل التكرير الأقل تعقيدًا.
وأوضح أن هناك اعتقادًا صحيحًا بأن تشغيل معامل التكرير البسيطة تكنولوجيًا يمكن أن يحقق خسائر في ظروف السوق الطبيعية، بسبب انخفاض قدرتها على استخلاص المنتجات الأعلى قيمة من البرميل.
لكنه يرى أن ظروف اضطراب أسواق التكرير العالمية غيّرت المعادلة، وأدت إلى ارتفاع هوامش التكرير عالميًا مع انخفاض أو تعطل جزء من طاقات المصافي.
وبحسب يوسف، كان من الممكن أن تمثل هذه الظروف فرصة لتحقيق عوائد أفضل من تشغيل الطاقات المصرية المتاحة، معتبرًا أن معدلات تشغيل معامل النصر والسويس والإسكندرية والعامرية تشير إلى أن مصر لم تستغل الفرصة بالقدر الكافي.
وتظل هذه النقطة تقييمًا فنيًا واقتصاديًا لرئيس هيئة البترول الأسبق، ويتطلب قياس حجم العائد الذي كان يمكن تحقيقه مقارنة هوامش التكرير الفعلية وتكاليف تشغيل كل مصفاة خلال الفترة نفسها.
البوتاجاز.. المشكلة الأصعب
أما البوتاجاز، فيرى يوسف أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي منه يمثل تحديًا مختلفًا.
وقال إن مصر لن تتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من البوتاجاز من خلال تطوير معامل التكرير وحده، مرجعًا ذلك إلى طبيعة المنتج ونسب استخلاصه المحدودة من عمليات التكرير.
وتكتسب هذه النقطة أهمية مع تقديره بأن احتياجات الاستيراد لتغطية ثلاثة أشهر تبلغ نحو 500 ألف طن من البوتاجاز.
وحتى الارتفاع الكبير الذي أعلنته الإسكندرية للبترول في إنتاج البوتاجاز، والبالغ 46%، لا يكفي وحده للحكم على مقدار تراجع الفجوة، لأن الشركة أعلنت نسبة الزيادة دون نشر كمية الإنتاج الإضافية بالأطنان مقارنة بإجمالي استهلاك السوق.
2.15 مليون طن من ثلاثة منتجات خلال ثلاثة أشهر
وتشير الأرقام التي كشف عنها يوسف إلى إجمالي يبلغ نحو 2.15 مليون طن من السولار وبنزين 95 والبوتاجاز لتغطية احتياجات الاستيراد خلال ثلاثة أشهر.
ويستحوذ السولار وحده على نحو 1.25 مليون طن من هذه الكميات، بما يجعله المنتج الأكبر ضمن الأرقام التي ذكرها رئيس الهيئة الأسبق.
وتفتح هذه الأرقام سؤالًا يتجاوز حجم إنتاج المصافي إلى مدى قدرة منظومة التكرير المصرية على حماية السوق من صدمة خارجية مفاجئة.
ففي الظروف الطبيعية تستطيع الدولة تعويض جزء من الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك بالاستيراد.
لكن في حالة حدوث أزمة عالمية في المنتجات المكررة أو تعطل أحد مسارات الإمداد الرئيسية، تصبح القضية ليست فقط تكلفة الاستيراد، وإنما مدى توافر الكميات المطلوبة في الأسواق الدولية وسرعة توفير بدائل لها.
ويرى يوسف أن الحل طويل الأجل لا يقتصر على ضخ المزيد من الخام في المصافي القائمة، وإنما يتطلب تغييرًا في هيكل التكرير نفسه، عبر التوسع في الوحدات التحويلية المعقدة التي تستطيع استخراج كميات أكبر من المنتجات الأعلى طلبًا من كل برميل خام.
وبين ارتفاع إنتاج عدد من الشركات واستمرار الحاجة إلى استيراد السولار والبنزين والبوتاجاز، يبقى الرقم الأكثر أهمية غائبًا عن البيانات المجمعة المنشورة:
كم تنتج مصر فعليًا من كل منتج، وكم تستهلك، وكم تستورد، وكم خفضت زيادة إنتاج المصافي من هذه الفجوة خلال 2026؟
وهي معادلة تصبح الإجابة عنها أكثر إلحاحًا كلما اقتربت أزمات الطاقة العالمية من طرق أبواب السوق المصرية.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






