أحمد المالكي لـ”النهار”: الشراكة المصرية الصينية ترسم ملامح نظام دولي جديد
أكد الكاتب والباحث السياسي أحمد المالكي، رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية، أن العلاقات المصرية الصينية تمثل نموذجًا متقدمًا للشراكة الاستراتيجية الشاملة، مشيرًا إلى أن تنامي التعاون بين البلدين لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والتجارية، وإنما يمتد إلى توافق الرؤى بشأن عدد من القضايا السياسية والإقليمية والدولية.
وقال المالكي، في تصريحات لـ"النهار"، إن تعزيز العلاقات مع الصين أصبح عنصرًا أساسيًا في حسابات الدول الساعية إلى توسيع حضورها وتأثيرها على المستوى الدولي، في ظل المكانة الاقتصادية والسياسية التي باتت بكين تتمتع بها عالميًا، موضحًا أن وصول العلاقات المصرية الصينية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014 أسهم في تعزيز التعاون بين البلدين، وانعكس على علاقاتهما مع دول المنطقة والقارة الأفريقية.
شراكة تتجاوز الاقتصاد
وأوضح المالكي أن الصين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة ذات وزن استراتيجي في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يجعلها قادرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي إقليميًا، فضلًا عن فتح المجال أمام توسيع الشراكات الصينية مع دول المنطقة.
وأشار إلى أن العلاقات المصرية الصينية الممتدة لأكثر من سبعين عامًا تشهد تطورًا متواصلًا باتجاه التكامل الاقتصادي وتوافق الرؤى السياسية، معتبرًا أن هذا المسار يأتي في إطار التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مع تنامي الدعوات إلى بناء نظام متعدد الأقطاب بعيدًا عن ترتيبات دولية قديمة يرى أنها أسهمت في تفاقم الحروب والصراعات وحالة عدم الاستقرار العالمي.
وأضاف أن الصين تسعى إلى بناء علاقات مع دول كبرى، من بينها مصر، بما يساعدها في رسم ملامح نظام دولي جديد يقوم، وفق رؤيته، على التنمية ورفاه الشعوب والحد من الحروب والصراعات، بدلًا من توجيه الموارد بصورة متزايدة نحو التسلح والإنفاق العسكري على حساب التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
الاستثمارات الصينية في مصر
وأكد المالكي أن الصين تتحرك بصورة ثابتة لتعزيز قوتها الاقتصادية، بالتوازي مع توسيع استثماراتها في الدول التي تمتلك مقومات طبيعية وجغرافية واستثمارية، مشيرًا إلى أن مصر تمثل إحدى أبرز هذه الدول، في ظل موقعها الاستراتيجي وما تمتلكه من فرص استثمارية واسعة.
ولفت إلى أن السياسة الصينية القائمة على عدم التدخل في شؤون الدول واحترام سيادتها ومؤسساتها أسهمت، بحسب رؤيته، في انتشار الاستثمارات والعلاقات الصينية في مناطق مختلفة من العالم، ومن بينها مصر، التي تشهد مشروعات واستثمارات صينية في قطاعات متعددة.
وأشار المالكي إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ، وفق ما أورده، نحو 20 مليار دولار خلال عام 2025، بالتزامن مع مساعي البلدين إلى زيادة حجم التجارة وتوسيع الاستثمارات الصينية في مصر، خصوصًا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب مشاركة الشركات الصينية في مشروعات كبرى بالعاصمة الإدارية.
قناة السويس بوابة الصين
ورأى المالكي أن موقع مصر الجغرافي يمنح الشراكة مع الصين أهمية خاصة، باعتبارها بوابة تربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، فضلًا عن الدور الذي تؤديه قناة السويس في حركة التجارة العالمية، وارتباطها بمسارات التجارة الصينية.
وأوضح أن توطيد العلاقات مع مصر يمثل بالنسبة إلى الصين مكسبًا استراتيجيًا واقتصاديًا، في ظل قدرة القاهرة على توفير نافذة مهمة للأسواق الأفريقية والعربية، بينما تستفيد مصر من تدفق الاستثمارات الصينية والتكنولوجيا والخبرات إلى قطاعات اقتصادية وتنموية مختلفة.
وأضاف أن التوسع في المشروعات الصينية داخل مصر يمكن أن ينعكس على توفير فرص عمل جديدة، إلى جانب المساهمة في تطوير البنية التحتية الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يخدم خطط التنمية المصرية ويعزز قدرات الدولة في المجالات التكنولوجية الحديثة.
زيارة تعزز الشراكة
وأشار المالكي إلى أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تمثل مؤشرًا على قوة العلاقات بين البلدين وحرصهما على دفع الشراكة إلى مستويات أكثر تقدمًا، لافتًا إلى أنها تأتي في إطار الزيارات والاتصالات المتبادلة بين القيادتين المصرية والصينية.
وأوضح أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زار الصين عدة مرات، وأسهمت الزيارات المتبادلة في نقل العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع توسع حضور الصين في قطاعات صناعية وتنموية متعددة داخل مصر.
وأضاف أن التعاون المصري الصيني لا يقتصر على المشروعات الاقتصادية، بل يمتد إلى مجالات التنمية المستدامة وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والاستثمارات الصينية في أفريقيا، فضلًا عن تعزيز حضور الصين في العالم العربي من خلال شراكتها الاستراتيجية مع القاهرة.
توافق حول قضايا المنطقة
وأكد المالكي أن العلاقات المصرية الصينية تتضمن قدرًا كبيرًا من التوافق في الرؤى تجاه عدد من القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن البلدين يدعمان حل القضية الفلسطينية من خلال المسارات السياسية والدبلوماسية، ويرفضان المساعي الرامية إلى تقويض حل الدولتين.
وأضاف أن الصين ومصر تعملان، وفق رؤيته، على الدفع باتجاه معالجة أزمات المنطقة عبر الحوار والدبلوماسية واحتواء التوترات، بعيدًا عن لغة السلاح، معتبرًا أن هذا النهج يفتح المجال أمام تعاون أوسع قائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ورأى أن تعزيز التعاون المصري الصيني يمكن أن يسهم في دعم توجهات تستهدف الحد من الصراعات والحروب، وتوجيه الموارد نحو مشروعات التنمية المستدامة بدلًا من استنزافها في النزاعات والتسلح، بما ينعكس على اقتصادات الدول ومستوى رفاه شعوبها.
منافسة النظام الدولي
وقال المالكي إن صعود الصين كقوة دولية كبرى يمثل أحد أبرز مظاهر التحول في النظام العالمي، مشيرًا إلى أن بكين تتبنى نهجًا مختلفًا في إدارة علاقاتها الدولية، يقوم، بحسب تقديره، على توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن فرض الإرادة بالقوة أو التدخل المباشر في شؤون الدول.
وانتقد المالكي السياسات الأمريكية في عدد من مناطق العالم، معتبرًا أن التدخلات العسكرية والسياسية الأمريكية أسهمت في تفاقم حالة عدم الاستقرار في دول عدة، مستشهدًا بالعراق وأفغانستان، ومشيرًا إلى أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يهدد الأمن الإقليمي وحركة التجارة والملاحة الدولية.
وأضاف أن التنافس بين القوى الكبرى ينعكس بصورة مباشرة على المنطقة، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بإسرائيل وإيران وأمن الممرات البحرية، الأمر الذي يجعل تعزيز التعاون بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية، وفق رؤيته، عاملًا مهمًا في مواجهة تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية.
تنسيق في الملفات الإقليمية
وأكد المالكي أن العلاقات المصرية الصينية تقوم على اتصالات وتشاور مستمرين بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها أمن البحر الأحمر وقضية سد النهضة الإثيوبي وغيرها من الملفات التي تحظى باهتمام مشترك.
وأوضح أن عضوية الصين الدائمة في مجلس الأمن وامتلاكها حق النقض يمنحان العلاقات المصرية الصينية بعدًا سياسيًا مهمًا، ويمكن أن يدعما الرؤية المصرية تجاه عدد من القضايا الإقليمية والدولية، في ظل الثقل السياسي الذي تتمتع به بكين داخل المؤسسات الدولية.
آفاق أوسع للتعاون
واختتم المالكي بالتأكيد على أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحظى باهتمام واسع في البلدين، وسط آمال بأن تسهم في دفع العلاقات الثنائية نحو مزيد من التعاون، وتوسيع التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تفرض على القاهرة وبكين مواصلة العمل على ترسيخ الشراكة الاقتصادية والسياسية، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل اضطرابات جيوسياسية متصاعدة تتطلب، بحسب تقديره، قدرًا أكبر من الحكمة والدبلوماسية وإطفاء بؤر التوتر بعيدًا عن الاستقطاب والتحركات الأحادية التي لا تخدم شعوب المنطقة.




.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






