النهار
الثلاثاء 11 أغسطس 2026 03:51 مـ 26 صفر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

عربي ودولي

السفير مسعود معلوف لـ‘‘النهار‘‘: رغم إنفاق أكثر من 30 مليون دولار ضدهما.. ممداني وعبدول نجحا بسبب رفض تمويل إسرائيل والتركيز على احتياجات الأمريكيين

معركة داخل السياسة الأمريكية.. لماذا أصبح صعود عبدول وممداني مصدر قلق للتيار التقليدي؟

عبدول وممداني والدكتور مسعود معلوف
عبدول وممداني والدكتور مسعود معلوف

لم يعد الصراع السياسي في الولايات المتحدة يدور فقط حول المنافسة المعتادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل أصبح هناك صراع أعمق داخل النظام السياسي نفسه حول شكل القيادة القادمة.

فالهجوم الذي شنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المرشح الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عبد الرحمن السيد(عبدول)، ووصفه له بأنه "شيوعي خاسر" وربط مواقفه بملفات مثل كرهه لإسرائيل واليهود، يعكس حجم القلق الذي يثيره صعود شخصيات تنتمي إلي التيار التقدمي داخل المشهد السياسي الأمريكي وحجم المواجهة التي أصبحت تحيط بهذا التيار الصاعد داخل الحزب الديمقراطي.

فالقضية لم تعد خلاف بين مرشح ومنافسين سياسيين، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر: هل يستطيع جيل جديد من السياسيين تغيير قواعد اللعبة الأمريكية من خلال بناء النفوذ عبر الشعبية على أساس الخدمات والمصالح اليومية للمواطن، بعيدًا عن النمط التقليدي القائم على دعم المؤسسات الكبرى والتحالفات السياسية القديمة؟

عبد الرحمن السيد وزهران ممداني أصبحا من أبرز الوجوه التي تجسد هذا التحول، فكلاهما يعتمد على خطاب سياسي يركز على قضايا يشعر بها المواطن بشكل مباشر، وهذا النوع من الخطاب يجد صدى واسعًا خاصة بين الشباب والناخبين الذين يشعرون بأن النظام السياسي التقليدي لم يعد يعبر عن مشاكلهم الحقيقية.

لماذا أصبحت شخصيات مثل ممداني والسيد مصدر قلق للمؤسسات التقليدية؟

المسألة لا تتعلق بشخص المرشح أو بمواقفه الأيديولوجية، وإنما بالصراع بين نموذجين سياسيين مختلفين، النموذج الأول هو النموذج التقليدي الذي اعتمد لعقود على قوة المؤسسات الحزبية، التحالفات السياسية، دعم الشخصيات المؤثرة، والقدرة على العمل داخل المنظومة القائمة، أما النموذج الثاني المتمثل في عبد الرحمن السيد وزهران ممداني فهو نموذج جديد يحاول بناء شرعيته من خلال التواصل المباشر مع المواطنين، والتركيز على القضايا التي تمس حياتهم اليومية مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، أزمة السكن، الرعاية الصحية، ودور الحكومة في تحسين حياة الناس، ما مكنهم من بناء نفوذهم من خلال قاعدة شعبية توضح أن هناك طريقًا آخر للصعود يعتمد على هذا الأسلوب، ويقوم على فكرة أن السياسي الذي يستطيع تحسين حياة المواطن يمتلك قوة انتخابية وشعبية أكبر من السياسي الذي يعتمد فقط على علاقاته داخل المؤسسة السياسية، ما سينعكس علي السياسة الامريكية بشكل جذري ولهذا فإن هذا النموذج يمثل تحديًا للسياسيين التقليديين داخل الحزب الديمقراطي نفسه حيث ينقل معيار النجاح من القدرة على بناء التحالفات داخل المؤسسات إلى القدرة على بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وإذا أثبت هذا النموذج نجاحه انتخابيًا، فقد يدفع المزيد من السياسيين في مختلف الولايات إلى تبني خطاب مشابه، والتركيز بشكل أكبر على الخدمات والمصالح الاقتصادية للمواطنين.

ولكن هناك جناح تقليدي داخل الحزب الديمقراطي يرى أن النجاح الانتخابي يحتاج إلى مرشحين أكثر اعتدالًا قادرين على جذب الناخبين المستقلين، ولهذا فإن نجاح شخصيات مثل عبد الرحمن السيد وممداني يمثل اختبارًا لاتجاه كامل داخل الحزب الديمقراطي

هجوم جمهوري

ويري خبراء أن الهجوم الجمهوري، وخاصة من جانب ترامب، يأتي في إطار استراتيجية سياسية معروفة تقوم على تصوير التيار التقدمي باعتباره بعيدًا عن التيار الأمريكي الرئيسي، لكن أنصار هؤلاء المرشحين يرون أن هذه الانتقادات محاولة لنقل النقاش بعيدًا عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تمنحهم شعبيتهم.

كما أن استخدام ترامب أوصاف مثل "الشيوعية" أو "التطرف اليساري" ضد المرشحين التقدميين ليس جديدًا في السياسة الأمريكية، بل هو جزء من استراتيجية سياسية طويلة تعتمد على محاولة ربط الخصوم بأفكار يعتبرها جزء من الناخبين بعيدة عن التيار الرئيسي.

فالجمهوريون يستخدمون هذا الخطاب لتقديم هؤلاء المرشحين باعتبارهم يمثلون تغييرًا جذريًا في طبيعة السياسة الأمريكية، وليس مجرد اختلاف في السياسات،والهدف من ذلك هو إثارة مخاوف الناخبين الذين يفضلون الاستقرار أو الذين ينظرون بحذر إلى التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة.

وقال السفير اللبناني الأسبق لدي واشنطن، والخبير في الشؤون الأمريكية الدكتور مسعود معلوف في تصريحات خاصة ل"النهار" إن التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي بدأ يأخذ دورًا أكبر ويتوسع، مشيرًا إلى أن الانتخابات الأخيرة التي جرت في ولاية ميشيغان، عقب فوز الدكتور عبد الرحمن السيد، وقبلها فوز زهران ممداني في نيويورك، تؤكد أن هذا التيار يزداد قوة.

وأوضح معلوف أن الأمر لو بقي محصورًا في فوز ممداني بمنصب عمدة نيويورك قبل بضعة أشهر، دون فوز الدكتور عبد الرحمن السيد، لكان من الممكن اعتبار ما حدث موجة مؤقتة وعابرة داخل الحزب الديمقراطي، إلا أن فوز عبد الرحمن السيد، إلى جانب آخرين في ولايات أخرى خلال الانتخابات التمهيدية، يؤكد، بحسب رؤيته، أن التيار التقدمي يتقدم بقوة داخل الحزب الديمقراطي.

وأشار إلى أن الانتخابات العامة المقبلة ستكون اختبارًا مهمًا لمدى قوة هذا التيار، موضحًا أن ما جرى منذ أيام قليلة كان انتخابات تمهيدية داخل الحزب الديمقراطي لاختيار مرشحه لمجلس الشيوخ، وأن الدكتور عبد الرحمن السيد سيكون مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات العامة.

وأضاف معلوف :"السؤال الأهم هو هل سيستطيع الدكتور عبد الرحمن السيد الفوز مقابل المرشح الجمهوري؟" معتبرًا أن فوزه، حال حدوثه، سيعني أن التيار التقدمي لا يقتصر حضوره على داخل الحزب الديمقراطي فقط، وإنما بدأ يأخذ دورًا أكبر أيضًا على مستوى الولاية والناخب الأمريكي بصورة عامة.

وأكد معلوف أن:"المسألة بالنسبة لممداني والسيد لا تتعلق فقط بمفهوم التقدمية، أو الحديث عن العمال، والحاجة إلى إنفاق الأموال داخل الولايات المتحدة، والضمان الصحي وغيرها من القضايا التي تمس حياة الأمريكيين ، ولكن الأهم أن كلاً من ممداني وعبد الرحمن السيد ركز في حملته الانتخابية على عدم جواز إرسال الأموال الأمريكية إلى الخارج، وخاصة إلى إسرائيل، لتقوم بـ"عملياتها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني"، في الوقت الذي يحتاج فيه الشعب الأمريكي والعمال والمناضلون الأمريكيون إلى هذه الأموال من أجل الطبابة والحياة الكريمة".

موضحاً إن هذا الأمر اكتسب أهمية في الانتخابات التمهيدية وانتخابات نيويورك، مرجحًا أن يتوسع أكثر خلال الفترة المقبلة، لافتًا إلى أن كلاً من ممداني وعبد الرحمن السيد وجدا أن التركيز على احتياجات العمال الأمريكيين والطبقة الوسطى والفقيرة أفاد المرشحين وساهم في نجاحهما، رغم الأموال الطائلة التي جرى إنفاقها ضدهما، مشيراً إلى أن اللوبي الإسرائيلي دفع أكثر من 30 مليون دولار ضد عبد الرحمن السيد، ومعتبرًا أن ذلك "أمر ملفت كثيرًا".

واختتم معلوف بالقول إن نتيجة الانتخابات العامة التي ستجرى في الثالث من نوفمبر ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كان التقدم الذي أحرزه التيار التقدمي مجرد موجة عابرة ومؤقتة، أم أنه يمثل تحولًا فعليًا وثابتًا داخل الحزب الديمقراطي.

موضوعات متعلقة