من مضيق هرمز إلى العمق الإيراني.. واشنطن تقترب من التدخل البري في إيران
كشفت صور الأقمار الصناعية عن تمركز حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن" في محيط خليج عُمان، على بُعد نحو 200 كيلومتر من مدينة جابهار الإيرانية، في خطوة تعكس استمرار الحشد العسكري الأمريكي بالقرب من السواحل الإيرانية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة من المواجهة.
ولا ينظر مراقبون إلى هذا التحرك باعتباره مجرد إعادة تموضع عسكرية، بل باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تتزامن مع انتقال الضربات الأمريكية والإسرائيلية تدريجيًا من استهداف الجزر الإيرانية داخل مضيق هرمز، إلى الساحل، ثم إلى العمق الإيراني، وهو ما يعزز التكهنات بأن واشنطن لا تكتفي بزيادة الضغط العسكري، وإنما تمهد لخيارات عملياتية أكثر اتساعًا قد تشمل فرض طوق بحري، أو حصارًا بريًا، أو حتى تدخلًا بريًا محدودًا لتأمين أهداف استراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وتتسق هذه التحركات مع طبيعة الضربات التي استهدفت الجسور وطرق الإمداد ومنصات الصواريخ والرادارات ومراكز المراقبة، بما يشير إلى محاولة عزل مناطق حيوية، وفي مقدمتها بندر عباس ومحيط مضيق هرمز، ومنع وصول التعزيزات الإيرانية إليها، الأمر الذي يراه خبراء تمهيدًا لأي تحرك عسكري محتمل خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، أكد اللواء الدكتور وائل ربيع، مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية، أن طبيعة الضربات العسكرية الأخيرة تكشف عن خطة مدروسة تحمل دلالات واضحة بشأن الأهداف العسكرية المحتملة خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح اللواء أن التصعيد العسكري الأمريكي استهدف في المقام الأول فرض السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن هذا الهدف جرى تنفيذه عبر ثلاث مراحل رئيسية من الضربات الصاروخية، بدأت باستهداف مناطق إطلاق الصواريخ، ثم منصات الإطلاق، وصولًا إلى مخازن الصواريخ الساحلية، إلى جانب الرادارات ومراكز المراقبة التي تؤمن هذه المنظومة الدفاعية.
وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار الحشد البحري الأمريكي في المنطقة، والذي تمثل أحد أبرز مؤشراته في اقتراب حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" من محيط خليج عُمان، وهو ما يعكس أهمية البعد البحري في الاستراتيجية الأمريكية الحالية، خاصة مع ارتباط المواجهة بشكل مباشر بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمثل شريانًا رئيسيًا لحركة الطاقة والتجارة الدولية.
وأشار اللواء ربيع إلى أن المستوى الأول من العمليات نُفذ داخل مضيق هرمز، وشمل جزيرتي لارك وقشم وصولًا إلى جزيرة خرج شمال الساحل الإيراني، موضحًا أن هذه الجزر كانت تضم منصات لإطلاق الصواريخ الساحلية التي شكلت تحديًا كبيرًا للقوات الأمريكية، نظرًا لقدرتها على استهداف السفن التجارية خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، وهو ما دفع إسرائيل إلى استهداف هذه المواقع منذ اليوم الأول للضربات الصاروخية.
وأضاف أن المستوى الثاني بدأ بعد يومين من الضربات الأولى، حيث توسعت العمليات لتشمل الساحل الإيراني الممتد لمسافة تقارب 400 كيلومتر من خارج المضيق وحتى شماله، وتم خلاله استهداف مدينة بندر عباس، وبوشهر، وعدد من المناطق الحيوية، مع التركيز على مواقع إطلاق الصواريخ الساحلية والرادارات ومنظومات المراقبة.
ومع توسع نطاق العمليات من البحر إلى الساحل، بدأت تظهر مؤشرات على انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، خاصة مع الحديث عن خيارات أخرى تتجاوز الحصار البحري، من بينها فرض قيود على حركة التجارة الإيرانية عبر الحدود البرية.
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان فرض حصار بري على إيران، بعد استنفاد واشنطن عددًا من الخيارات المتاحة في استراتيجيتها العسكرية الحالية لفتح مضيق هرمز، بحسب ما نقلته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية.
ويعد الحصار البري أحد الخيارات المطروحة لممارسة ضغط اقتصادي واسع على طهران، لكنه يتطلب تعاون دول الجوار الإيراني عبر إغلاق المعابر الحدودية أو تقييد حركة العبور، وهو ما قد يضع دولًا مثل باكستان والعراق في موقع حساس، باعتبارهما من أبرز نقاط الاتصال الجغرافي والتجاري مع إيران.
كما تواجه دول أخرى مجاورة لإيران، من بينها أذربيجان وأرمينيا وأفغانستان وتركمانستان وتركيا، احتمالية تعرضها لضغوط أو إجراءات مضادة من جانب طهران في حال مشاركتها في أي ترتيبات تهدف إلى تضييق الخناق عليها.
أما المستوى الثالث من العمليات، والذي وصفه اللواء الدكتور وائل ربيع بأنه الأخطر والأكثر دلالة، فقد تمثل في نقل الضربات إلى العمق الإيراني لمسافات تتراوح بين 100 و200 كيلومتر، مستهدفًا مواقع داخل العمق الإيراني ومحيط بندر عباس ومضيق هرمز، وصولًا إلى مناطق شمالية حتى كردستان.
وأكد اللواء ربيع أن الانتقال إلى استهداف العمق الإيراني بهذه المسافات يحمل مؤشرًا عسكريًا مهمًا، موضحًا أنه لا يجزم بوقوع عملية برية، لكنه يرى أن هناك تفكيرًا جديًا في هذا الاتجاه، لأن أي عملية للسيطرة على الجزر أو تأمين مضيق هرمز تتطلب، من الناحية العسكرية، السيطرة على وتأمين منطقة اليابسة المقابلة لها، وهي المنطقة التي بدأت الضربات تتركز عليها خلال الأيام الأخيرة.
وأضاف أن استهداف الجسور يعكس هدفًا واضحًا يتمثل في عزل منطقة بندر عباس ومضيق هرمز عن باقي الأراضي الإيرانية، ومنع وصول الإمدادات والدعم العسكري إلى القوات الموجودة هناك، بما يهيئ الظروف لأي عملية عسكرية محتملة.
ورغم هذه المؤشرات، لا يزال خيار التدخل البري يواجه العديد من الحسابات المعقدة، إذ أوضح اللواء ربيع أن القيادة الأمريكية ناقشت هذا الخيار، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أنه عُرض عليه، لكنه لم يقتنع به حتى الآن، بسبب استمرار وجود فجوات في المعلومات الاستخباراتية تحول دون اتخاذ قرار نهائي.
وفيما يتعلق بإمكانية توسيع العمليات لاستهداف منشآت اليورانيوم المخصب الموجودة تحت الأرض، أكد اللواء ربيع أن هذا السيناريو يظل واردًا من الناحية العسكرية، مشيرًا إلى أن نمط التصعيد الحالي، وانتقال الضربات من الأهداف القريبة إلى الأهداف الأبعد، يعكس احتمال وجود استعداد لعمليات أكبر، سواء عبر تدخل بري أو ضربات جوية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.
كما أشار إلى أن إعادة تمركز عشرات طائرات التزود بالوقود في إسرائيل تمثل مؤشرًا إضافيًا على احتمال انتقال العمليات إلى مرحلة مختلفة، مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تبدو مجرد إجراء لوجستي، وإنما ترتبط بالاستعداد لدعم قاذفات استراتيجية بعيدة المدى قادرة على تنفيذ ضربات داخل العمق الإيراني.
وأوضح أن الطائرات والصواريخ المستخدمة في الهجمات الحالية تنطلق بدرجة كبيرة من حاملات الطائرات والبوارج والسفن الحربية المنتشرة في المحيط الهندي، وبالتالي فإن إعادة نشر طائرات التزود بالوقود لا ترتبط فقط بالعمليات التقليدية، وإنما تشير إلى إمكانية مشاركة قاذفات استراتيجية في هجمات جوية كثيفة ضد أهداف بعيدة، من بينها منشآت يعتقد أنها مرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم.
وفي النهاية، يبقى المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات؛ فبينما تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري البحري والجوي حول إيران، وتبحث خيارات الحصار والضغط الاقتصادي والعسكري، تظل الإدارة الأمريكية أمام قرار صعب بين توسيع العمليات والدخول في مواجهة أكبر، أو الاكتفاء بضربات محدودة تترك الباب مفتوحًا أمام المسار الدبلوماسي.




.png)












.jpg)


.jpg)






