90 ألف وفاة وإصابة على طرق مصر في 2025.. السائق ليس وحده في دائرة المسؤولية
18 مليون مخالفة في 6 أشهر، وسائقو نقل يتحدثون عن الحمولة والصيانة والإرهاق، وخبراء يضعون المركبة والطريق إلى جوار السائق عند البحث عن أسباب الحوادث
لقي 5829 شخصًا مصرعهم في حوادث الطرق بمصر خلال عام 2025، وأصيب 84 ألفًا و553 آخرون، لتصل حصيلة الوفيات والإصابات إلى 90 ألفًا و382 شخصًا خلال عام واحد
يأتي هذا الرقم بعد سنوات من التوسع في إنشاء الطرق ورفع كفاءتها، وفي وقت تضبط فيه أجهزة المرور ملايين المخالفات سنويًا، وهو ما يعيد طرح سؤال يتكرر مع كل حادث كبير، إلى أي مدى يتحمل السائق المسؤولية، وأين تبدأ مسؤولية المركبة والطريق وظروف العمل؟
وبحسب النشرة السنوية لنتائج حوادث السيارات والقطارات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت وفيات حوادث الطرق خلال 2025 بنسبة 10٫8% مقارنة بعام 2024 الذي سجل 5260 وفاة، كما ارتفع عدد المصابين من 76 ألفًا و362 إلى 84 ألفًا و553 مصابًا
وزاد إجمالي الوفيات والإصابات خلال عام واحد بنحو 8760 حالة، فيما ارتفع معدل الوفيات من 4٫9 إلى 5٫4 حالة لكل 100 ألف نسمة، ومعدل الإصابات من 71٫7 إلى 78٫4
وإذا كانت هذه الأرقام تكشف حجم الخسائر، فإن بيانات المرور تقدم صورة أخرى لما يجري على الطريق نفسه
فخلال النصف الأول من 2025 أعلنت وزارة الداخلية ضبط 18 مليونًا و63 ألفًا و363 مخالفة مرورية، جاء تجاوز السرعة في مقدمتها بنحو 8 ملايين و679 ألفًا و180 مخالفة، أي ما يقارب نصف المخالفات التي جرى ضبطها خلال الأشهر الستة
وسجلت الحملات نحو 2٫9 مليون مخالفة انتظار خاطئ، وأكثر من مليون مخالفة لعدم ارتداء حزام الأمان، و400 ألف و641 مخالفة مرتبطة بالنقل الثقيل، إلى جانب 286 ألفًا و894 مخالفة للسير دون رخصة قيادة أو تسيير، و128 ألفًا و217 مخالفة لاستخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة

كما شملت الحملات أكثر من 106 آلاف مخالفة مرتبطة بالصلاحية الفنية للمركبات، إلى جانب مخالفات عدم ارتداء الخوذة واللوحات المعدنية والسير عكس الاتجاه
وفي الفترة نفسها خضع 54 ألفًا و867 سائقًا لفحوص الكشف عن تعاطي المواد المخدرة، وثبتت إيجابية 2250 حالة، كما جرى فحص 10 آلاف و859 من سائقي حافلات المدارس، وثبتت إيجابية 29 حالة
واستمرت الحملات خلال 2026، وراجعت «النهار» عددًا من البيانات اليومية التي أعلنتها وزارة الداخلية حتى 20 سبتمبر، وتجاوز عدد المخالفات المضبوطة 100 ألف خلال 24 ساعة في أكثر من مناسبة، إذ سجلت الحملات 140 ألفًا و884 مخالفة في الأول من فبراير، و118 ألفًا و224 مخالفة في 24 أغسطس، و107 آلاف و554 مخالفة في 20 سبتمبر
لكن هذه الأرقام لا تعني أن كل مخالفة انتهت إلى حادث، كما أن حجم الضبط يرتبط أيضًا بكثافة الحملات وانتشار الرادارات وأجهزة المراقبة ومواقع عملها، ومن ثم تكشف بيانات المرور انتشار سلوكيات خطرة على الطريق، لكنها لا تجعل المخالفة في حد ذاتها تفسيرًا جاهزًا لكل حادث

وتظهر هذه النقطة بوضوح عند الحديث مع المتخصصين، فالدكتور عبدالله أبوخضرة، أستاذ هندسة الطرق والنقل والمرور بكلية الهندسة جامعة بني سويف، يضع العامل البشري في مقدمة عناصر الخطر، لكنه لا يحصر مسؤولية السائق في طريقة القيادة فقط، فالمسؤولية من وجهة نظره تبدأ قبل تحرك السيارة من متابعة الفرامل والإطارات والزيوت ووسائل الأمان، وتمتد إلى السرعة ومسافات الأمان والتعامل مع حالة الطريق والطقس
ويضيف أن الشبورة والرياح المحملة بالرمال والمنحدرات والمنحنيات تفرض أسلوب قيادة مختلفًا، بينما يمثل استخدام الهاتف والإرهاق والقيادة تحت تأثير المواد المخدرة عوامل تؤثر في انتباه السائق وقدرته على التعامل مع المواقف المفاجئة
وعلى الجانب الآخر، يرى اللواء مجدي الشاهد، الخبير المروري، أن النظر إلى السائق وحده لا يكفي، وأن فحص الحادث ينبغي أن يشمل حالة المركبة والطريق والإنارة وظروف موقع التصادم، لأن خللًا في الفرامل أو الإطارات أو ضعف الرؤية أو مشكلة في الطريق قد يكون حاضرًا إلى جوار خطأ قائد السيارة
وبذلك لا يتوقف السؤال عند من أخطأ، وإنما يمتد إلى معرفة ما الذي جعل هذا الخطأ يتحول إلى حادث أو ضاعف من نتائجه
وفي هذا الاتجاه تحركت وزارة النقل خلال 2026، فأطلقت مرحلة جديدة من مبادرة «سائق واعٍ لطريق آمن» لتدريب وتأهيل سائقي النقل الثقيل والحافلات من حاملي الرخص المهنية، ثم أطلقت مبادرة «فني واعٍ لأسطول آمن» التي ركزت على جاهزية المركبات وأعمال الصيانة وكفاءة الفنيين

وامتد الاهتمام بذلك من تدريب السائق إلى المركبة نفسها ومن يتولى صيانتها، وهو ما يلتقي مع نهج «النظام الآمن» الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية، والقائم على أن مستخدم الطريق قد يخطئ، وأن الطريق والمركبة والسرعة ووسائل الحماية يجب أن تقلل قدر الإمكان من تحول هذا الخطأ إلى وفاة أو إصابة خطيرة
وفي مصر شهدت شبكة الطرق خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا، ووفق أحدث حصيلة معلنة لوزارة النقل جرى تنفيذ 6600 كيلومتر من الطرق الجديدة من إجمالي 7500 كيلومتر مستهدفة، إلى جانب تطوير وازدواج ورفع كفاءة 8700 كيلومتر من شبكة الطرق الرئيسية القائمة من إجمالي 10 آلاف كيلومتر
ومع ذلك يلفت أبوخضرة إلى أن تحسن حالة الطريق قد يدفع بعض السائقين إلى زيادة السرعة إذا لم يصاحبه التزام بالقواعد ورقابة فعالة، بينما يضع الشاهد تصميم الطريق وتنظيم الحركة ضمن عناصر الوقاية، ويرى أن فصل سيارات النقل الثقيل عن المركبات الأخرى في الطرق التي تسمح بذلك يمكن أن يحد من بعض أنواع التصادم
ولهذا لا يمكن قياس أثر تطوير طريق بعينه بمقارنة إجمالي أطوال الطرق الجديدة بعدد الحوادث على مستوى الجمهورية، فكل طريق له كثافة حركة مختلفة وأنواع مركبات مختلفة، والحكم على أثر التطوير يحتاج إلى مقارنة ما كان يحدث على الطريق نفسه قبل التطوير وما حدث بعده
وتوضح إجراءات أعلنتها وزارة النقل خلال 2026 أن التعامل مع الطريق لم يقتصر على الرصف، إذ شملت بعض الأعمال مراجعة السرعات والعلامات الإرشادية والتحذيرية والإضاءة وإغلاق فتحات عشوائية والتعامل مع مواقع تتكرر فيها المخاطر
وتصبح صورة الخطر أكثر وضوحًا عند الانتقال إلى النقل الثقيل، حيث يمكن أن تجتمع الحمولة وحالة الشاحنة والإطارات والفرامل وطول ساعات العمل وطريقة القيادة داخل الرحلة نفسها

وتحدثت «النهار» مع عدد من سائقي النقل العاملين على طرق مختلفة، ولم تكن شهاداتهم متطابقة
خالد، 43 عامًا، ويعمل سائقًا منذ سبع سنوات على خط القاهرة–أسوان–أرقين–الخرطوم، قال إنه يلتزم بحمولة تصل إلى 60 طنًا، فيما ذكر محمود، 38 عامًا، ويعمل منذ ثلاث سنوات على خط السويس–العين السخنة–بني سويف، أن شاحنته حملت 38 طنًا من مواد البناء، وهي كمية قال إنها تقع داخل الحد المقرر لها
أما محمد، 58 عامًا، الذي يعمل في قيادة النقل منذ 30 عامًا على خط أسوان–أسيوط، فتحدث عن رحلة حملت فيها شاحنته 68 طنًا، بينما قال إن الحد المقرر لها يبلغ 50 طنًا، في حين ذكر محسن، 55 عامًا، ويعمل سائقًا منذ 15 عامًا، أنه نقل على طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي 42 طنًا مقابل حد قال إنه يبلغ 45 طنًا لشاحنته
وجاءت هذه الأوزان بحسب إفادات السائقين عن مركباتهم، ولا تكفي وحدها لتحديد الوزن القانوني المقرر لكل شاحنة، الذي يرتبط بمواصفاتها وترخيصها وعدد محاورها والقواعد المنظمة للأوزان، لكن شهادة محمد تظل لافتة لأنه يتحدث بنفسه عن حمولة تزيد 18 طنًا على الحد الذي قال إنه مقرر لشاحنته
ولا تقف الصورة عند الحمولة، فمحمد صادق، سائق نقل ثقيل من البحيرة، يرى أن جزءًا من المشكلة يبدأ من طريقة تعامل باقي المركبات مع الشاحنات، فبعض سائقي السيارات الملاكي، بحسب قوله، يتجاوزون النقل الثقيل من جهة اليمين، وهي منطقة قد يصعب على قائد الشاحنة رؤيتها بالكامل، بينما يضطر سائق النقل أحيانًا إلى تغيير مساره لتفادي حفرة أو جزء غير ممهد من الطريق
وفي الوقت نفسه لا يعفي صادق سائقي النقل من المسؤولية، إذ يقر بأن الحمولة الزائدة والإطارات المتهالكة قد تؤديان إلى فقدان السيطرة على الشاحنة إذا انفجر إطار أو تحركت الحمولة بصورة مفاجئة
ومع الرحلات الطويلة يدخل الإرهاق إلى الصورة، فالسائق الذي يقطع مئات الكيلومترات يحتاج إلى التوقف والنوم، لكن صادق يقول إن العثور على مكان آمن للراحة ليس سهلًا دائمًا بسبب الخوف من سرقة السيارة أو الحمولة، ولذلك يطالب بإنشاء استراحات ومواقف مؤمنة للشاحنات على الطرق الطويلة
وتتداخل هذه المشكلة مع قرار التحميل نفسه، إذ يقول خالد إن السائق لا يكون دائمًا صاحب القرار الوحيد في تحديد كمية الحمولة، وإن مندوب العمل أو مكتب الشحن قد يحدد في بعض الرحلات مكان التحميل وكميته
وفي الوقت نفسه تختلف الصيانة من شركة إلى أخرى، فبعض الشركات توفر صيانة دورية تشمل الإطارات والزيوت والتشحيم وإصلاح الأعطال، بينما قد يؤجل بعض السائقين الفحص رغبة في إنهاء الرحلة والحصول على أجرها
وبذلك قد تبدأ بعض عوامل الخطر قبل تحرك الشاحنة، من قرارات التحميل والصيانة، ثم تمتد إلى ساعات القيادة والراحة وطريقة التعامل مع الطريق
ولا يظل هذا الخطر داخل الشاحنة، فالمهندس هشام يونس يقول لـ«النهار» إنه تعرض لحادث بسبب شاحنة لم تكن تغطية حمولتها محكمة، وبحسب روايته انفك الغطاء المستخدم لتغطية الحمولة أثناء السير واتجه نحو سيارته، وانتهى الحادث باشتعالها
ومنذ ذلك الحادث يدعو إلى تشديد الرقابة على تأمين حمولات سيارات النقل، وزيادة الوجود المروري على الطرق السريعة، ومتابعة التزام الشاحنات بالحارات والسرعات والفحص الفني
كما يشير إلى ارتفاع أسعار الإطارات، ويرى أن تكلفتها قد تدفع بعض أصحاب المركبات إلى استخدامها لفترات أطول، رغم أن انفجار إطار شاحنة على طريق سريع قد تكون نتائجه خطيرة
ولا تقف حصيلة الحوادث عند من يجلسون داخل السيارات، فقد سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2132 وفاة خلال 2025 ضمن فئة «المار بالطريق»، بما يعادل نحو 36٫6% من إجمالي وفيات حوادث الطرق وفق حساب «النهار»
ويعني ذلك أن أكثر من ثلث الوفيات المسجلة خلال العام جاءت ضمن هذه الفئة، وهو ما يضع سلامة المشاة في قلب القضية، خاصة في المناطق التي تختلط فيها حركة السيارات بالمارة وتقل فيها أماكن العبور الآمن أو الأرصفة أو وسائل تهدئة السرعات
كما لا ينتهي أثر الحادث عند لحظة التصادم، فسرعة وصول الإسعاف والتعامل مع المصاب في الوقت المناسب قد تؤثر في فرص نجاته، ولهذا تضع منظمة الصحة العالمية الاستجابة بعد الحادث ضمن عناصر السلامة على الطرق
وبعد الأرقام والشهادات وآراء الخبراء لا يبدو أن هناك سببًا واحدًا يمكن وضع كل الحوادث تحته
السائق حاضر بقوة في المخالفات وفي شهادات الخبراء، لكنه يقود مركبة لها حالة فنية، وعلى طريق له تصميم وظروف، وقد يعمل لساعات طويلة أو يحمل وزنًا لم يكن هو وحده صاحب القرار فيه
وفي حادث قد يكون الخطأ وراء عجلة القيادة، وفي آخر يبدأ الخطر من إطار أو فرامل أو حمولة غير مؤمنة، وفي بعض الوقائع تجتمع أكثر من مشكلة في اللحظة نفسها
ولهذا لا تكفي أرقام المخالفات وحدها، كما لا تكفي حصيلة الوفيات والإصابات لفهم ما حدث، ويظل السؤال الأهم في كل حادث هو ماذا جرى قبل لحظة التصادم، ومن أين بدأ الخطر


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







