هل يُعد تجميع المؤسسات العسكرية الاستراتيجية في مكان واحد خطرًا؟.. قراءة تحليلية في ضوء المفاهيم العسكرية الحديثة
يثير الحديث عن تجميع المؤسسات العسكرية الاستراتيجية في نطاق جغرافي واحد تساؤلات متكررة، خاصة لدى الرأي العام، حول مدى أمان هذا التوجه، وما إذا كان يمثل نقطة ضعف محتملة في بنية الدولة الدفاعية، وبين القلق الشعبي والتحليل العلمي، تبرز الحاجة إلى قراءة متزنة تستند إلى المفاهيم العسكرية الحديثة، بعيدًا عن الانطباعات السطحية.

في هذا السياق، يؤكد اللواء دكتور طارق سمير، الأمين العام للمجلس الوطني لمكافحة الإرهاب والتطرف والفساد ومركز السلام العالمي، أن الإجابة المختصرة عن هذا التساؤل هي: “ليس بالضرورة”، موضحًا أن الحكم على مثل هذه القرارات لا يكون من زاوية الشكل الظاهري، بل من خلال فهم العقيدة العسكرية المتكاملة التي تحكم بناء وإدارة هذه المنشآت.

تمييز ضروري بين القيادة والقوة
يشدد اللواء طارق سمير على ضرورة التمييز بين تجميع “مراكز القيادة” وتجميع “القدرات القتالية”. فوجود مقرات القيادة في منطقة واحدة لا يعني بأي حال من الأحوال أن القوة العسكرية نفسها أصبحت متمركزة في هذا المكان، إذ تظل الوحدات القتالية، والقواعد الجوية، والتشكيلات البحرية، ومنظومات الدفاع الجوي، منتشرة وفق خطط عملياتية مدروسة تغطي كامل الإقليم.

ويضيف أن هذا الفصل بين القيادة والتنفيذ هو أحد المبادئ الأساسية في العلوم العسكرية، حيث يضمن مرونة التحرك، ويمنع تركيز القوة في نقطة واحدة، بما يحافظ على توازن الانتشار الاستراتيجي.
تصميم غير تقليدي للمقار العسكرية
لا تُبنى مقار القيادة الاستراتيجية الحديثة وفق المفهوم التقليدي للمباني الإدارية، بل تُنشأ وفق معايير هندسية وأمنية شديدة التعقيد. وتشمل هذه المعايير مستويات متعددة من الحماية، وأنظمة تأمين متطورة، ومنظومات اتصالات مشفرة، بالإضافة إلى بنية تحتية تضمن استمرارية العمل في مختلف الظروف، بما في ذلك الأزمات الكبرى والسيناريوهات الاستثنائية.

ويشير اللواء طارق سمير إلى أن هذه المنشآت تُصمم لتكون قادرة على الصمود والتشغيل الذاتي لفترات طويلة، بما يضمن عدم انقطاع منظومة القيادة والسيطرة تحت أي ظرف.
منظومة قيادة متعددة الطبقات
من أبرز المفاهيم التي تحكم إدارة الحروب الحديثة، وفقًا لسمير، هو عدم الاعتماد على مقر قيادة واحد. فالجيوش المتقدمة تعتمد على منظومة متكاملة من مراكز القيادة تشمل مراكز رئيسية وبديلة واحتياطية، مرتبطة بشبكات اتصالات مؤمنة عالية الكفاءة.
هذه المنظومة تضمن استمرارية إدارة العمليات حتى في حال تعرض أحد المراكز لأي طارئ، وهو ما يُعرف بمفهوم “استمرارية القيادة والسيطرة”، والذي يُعد أحد الركائز الأساسية في التخطيط العسكري الحديث.
حسابات الردع والتصعيد
يرى اللواء طارق سمير أن امتلاك بعض الدول لأسلحة ذات قدرات تدميرية عالية لا يعني سهولة استخدامها أو ضمان نتائجها.
فهناك منظومات دفاع جوي متقدمة، وإجراءات ردع متبادلة، فضلًا عن اعتبارات سياسية واستراتيجية وقانونية معقدة، تجعل قرار استهداف منشآت سيادية بهذا الحجم بالغ الحساسية.

ويؤكد أن مثل هذه القرارات قد تقود إلى تصعيد واسع النطاق، يصعب التحكم في تداعياته، وهو ما يدفع الدول إلى حساب خطواتها بدقة شديدة قبل الإقدام على أي عمل من هذا النوع.
كفاءة القرار وسرعة الاستجابة
إن إنشاء مجمعات قيادة حديثة، مثل “الأوكتاجون”، لا يهدف فقط إلى تجميع القيادات، بل يسعى إلى تحقيق أهداف أكثر عمقًا، أبرزها توحيد منظومة اتخاذ القرار، وتسريع تبادل المعلومات، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأفرع.
ويضيف سمير أن هذا التوجه أصبح سمة مشتركة بين العديد من الجيوش المتقدمة، التي تسعى إلى رفع كفاءة إدارة الأزمات، وتقليل زمن الاستجابة، بما يتماشى مع طبيعة التهديدات الحديثة التي تتسم بالسرعة والتعقيد.
ما لا يُرى أهم مما يُرى
في ختام تحليله، يؤكد اللواء طارق سمير أن ما يظهر للرأي العام من هذه المنشآت يمثل جزءًا محدودًا للغاية من الصورة الكاملة. أما التفاصيل المتعلقة بأنظمة التأمين، والتحصين، وخطط استمرارية القيادة، فهي بطبيعتها معلومات سرية لا يتم الإفصاح عنها.
ومن ثم، فإن الحكم على مستوى الأمان استنادًا إلى الموقع الجغرافي فقط يُعد تقييمًا غير مكتمل، ولا يعكس حقيقة التخطيط العسكري الذي يعتمد على منظومة متكاملة من الإجراءات والتقنيات والعقائد.
وفي ختام القول
إن قوة أي منشأة عسكرية لا تُقاس بمكانها على الخريطة، بل بما وراءها من تخطيط استراتيجي، وبنية تأمينية، وتكنولوجيا متقدمة، وعقيدة تشغيل راسخة، ومنظومة ردع متكاملة، وهي عناصر لا تكون مرئية بطبيعة الحال، لكنها تمثل الأساس الحقيقي للأمن والاستقرار.
وبينما تستمر النقاشات العامة حول هذه القضايا، يبقى الفهم العلمي المتزن هو السبيل الأمثل لتقييم مثل هذه القرارات، بعيدًا عن التبسيط أو التهويل.

















.jpg)






