النهار
الإثنين 1 يونيو 2026 10:51 مـ 15 ذو الحجة 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

عربي ودولي

باحث لـ”النهار”: التنسيق المصري التركي يربك رهانات التطبيع ويعيد فلسطين إلى قلب المعادلة الإقليمية

الرئيسان السيسي وأردوغان - أرشيفية
الرئيسان السيسي وأردوغان - أرشيفية

قال الأكاديمي والباحث التركي وخبير شؤون الشرق الأوسط، الدكتور بكير أتاجان، إن النقاشات المتصاعدة داخل إسرائيل خلال الساعات الأخيرة لا تعكس مجرد تغطيات إعلامية أو تقديرات سياسية عابرة، بل تشير إلى إدراك متزايد بوجود صراع دبلوماسي وسياسي عميق حول مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

وأضاف أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن هذا الجدل يتمحور حول رؤيتين متعارضتين لإعادة تشكيل المنطقة؛ الأولى تقودها قوى إقليمية فاعلة في مقدمتها مصر وتركيا، بينما ترتبط الثانية بالمساعي الأمريكية الرامية إلى توسيع مسار التطبيع ودمج إسرائيل بصورة أوسع داخل البيئة الإقليمية العربية والإسلامية.

وأشار إلى أن هذه التطورات تكشف انتقال الصراع من مستوى الخلافات التكتيكية إلى مستوى التنافس على شكل النظام الإقليمي ذاته، وما إذا كان سيعاد بناؤه على أساس التسويات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية أم وفق ترتيبات أمنية تتجاوز جذور الصراع.

محور القاهرة وأنقرة

وأوضح أتاجان أن التنسيق المصري–التركي برز بوصفه أحد أبرز المتغيرات المؤثرة في المشهد الإقليمي الراهن، في ظل ما وصفه بتقارب متزايد في الرؤى السياسية بين القاهرة وأنقرة بشأن مستقبل المنطقة.

وبيّن أن هذا التنسيق يقوم، وفق التصور المطروح، على ربط أي ترتيبات أمنية أو سياسية أو اقتصادية مستقبلية بتحقيق تقدم ملموس في القضية الفلسطينية، ورفض منح إسرائيل مكاسب استراتيجية واسعة دون مقابل سياسي حقيقي يرتبط بحقوق الفلسطينيين.

وأضاف أن هذه المقاربة تعكس قناعة متنامية لدى عدد من القوى الإقليمية بأن تجاوز القضية الفلسطينية في مشاريع إعادة تشكيل المنطقة لن ينتج استقرارًا طويل الأمد، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التوترات وتوسيع نطاق الأزمات القائمة.

شرط فلسطين

وأشار أتاجان إلى أن أهمية هذا المسار تعززت بعد تصريحات وزير الخارجية التركي هكان فيدان، التي ربط فيها أي انضمام إسرائيلي إلى منظومة إقليمية للأمن والتعاون تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان باعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967.

وأضاف أن هذا الطرح ينقل القضية الفلسطينية من موقع الملف السياسي التقليدي إلى موقع الشرط المؤسس لأي مشروع إقليمي جديد، بما يجعل مستقبل الأمن والتعاون الإقليمي مرتبطًا مباشرة بمسار التسوية السياسية.

ولفت إلى أن هذا التحول يعني، وفق القراءة المطروحة، أن فلسطين لم تعد بندًا تفاوضيًا منفصلًا داخل أجندة المنطقة، بل أصبحت جزءًا من البنية السياسية لأي ترتيبات استراتيجية مقبلة في الشرق الأوسط.

قلق إسرائيلي

ورأى أتاجان أن أسباب القلق الإسرائيلي لا ترتبط فقط بالمواقف المعلنة لبعض الدول، بل بما يعتقد داخل تل أبيب أنه تقارب متزايد في المواقف بين عواصم إقليمية مؤثرة تشمل القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد.

وأوضح أن هذا التقارب يتمحور حول ضرورة ربط أي توسع جديد في مسار التطبيع بتحقيق تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية، وهو ما يتناقض مع الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى توسيع دائرة العلاقات الإقليمية دون تقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني.

وأضاف أن هذا الإدراك الإسرائيلي يعكس مخاوف من تشكل بيئة سياسية إقليمية أكثر تماسكًا تجاه شروط التطبيع، بما قد يحد من قدرة إسرائيل على تحقيق اختراقات سياسية واسعة في المرحلة المقبلة.

مأزق أمريكي

وأكد أتاجان أن الرهان الأمريكي على إعادة هندسة الشرق الأوسط عبر توسيع اتفاقيات التطبيع يواجه تحديات متصاعدة، في ظل تنامي مواقف إقليمية تربط أي اندماج إسرائيلي أوسع بحل سياسي للقضية الفلسطينية.

وأشار إلى أن ملفات الأمن الإقليمي والممرات البحرية والتعاون الاقتصادي وتوازنات النفوذ باتت ترتبط بصورة متزايدة بشرط سياسي محوري يتمثل في الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية.

وأضاف أن هذا الواقع يضع المشروع الأمريكي أمام معضلة مزدوجة، تتمثل في رفض الحكومة الإسرائيلية الحالية الانخراط في مسار يقود إلى إقامة دولة فلسطينية، مقابل محدودية القدرة الأمريكية على فرض مثل هذا المسار بصورة مباشرة.

معادلة جديدة

وختم أتاجان بالقول إن المشهد الإقليمي يقف أمام سؤال استراتيجي مفتوح يتعلق بمدى قدرة التنسيق المصري–التركي، المدعوم بمواقف متقاربة من قوى إقليمية أخرى، على فرض معادلة جديدة تجعل القضية الفلسطينية مدخلًا إلزاميًا لأي ترتيبات سياسية أو أمنية أو تطبيعية في المنطقة.

وأضاف أن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل التطبيع والعلاقات الإقليمية، بل ستسهم أيضًا في رسم شكل التوازنات السياسية والأمنية والاستراتيجية التي ستطبع الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، في ظل احتدام التنافس بين مشاريع إعادة تشكيل المنطقة ومسارات الصراع القائمة منذ عقود.

موضوعات متعلقة