دونالد ترامب يطلق ”مشروع الحرية” وتصعيد أمريكي يهدد بإشعال مواجهة مع إيران
”مشروع الحرية”.. استراتيجية أمريكية لفرض واقع جديد في مضيق هرمز.. وخبراء يعلقون
د.أشرف عكة: التحرك الأمريكي في هرمز "إفلاس سياسي" وإعلان حرب غير مباشر على إيران
د.أيمن سمير: "مشروع الحرية" يُفقد إيران ورقة الضغط ويعيد تشكيل موازين القوى في المضيق
تتسارع وتيرة الأحداث فيمضيق هرمز، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً انطلاق عملية "مشروع الحرية"، وهي مبادرة بحرية تهدف إلى كسر الجمود المستمر منذ شهرين وتحرير السفن العالقة في مضيق هرمز.
وبينما يغلف ترامب هذه العملية بطابع إنساني لإنقاذ طواقم السفن التي تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الحيوية، فإن الأبعاد الجيوسياسية للقرار تعكس رغبة واضحة في استعادة الردع الأمريكي، وتعتمد الخطة على مرافقة عسكرية مباشرة لسفن تجارية تابعة لدول محايدة، مدعومة بقوة نيران هائلة تشمل مدمرات صاروخية، وأكثر من 100 طائرة مقاتلة، وقوة برية وبحرية قوامها 15 ألف جندي تحت قيادة "سنتكوم".
ورغم هذه الحشود، يترك ترامب الباب موارباً للدبلوماسية بإشارته إلى محادثات إيجابية تجري خلف الكواليس عبر الوساطة الباكستانية، في محاولة للموازنة بين العصا الغليظة والجزرة السياسية.
التصعيد الإيراني وحافة الهاوية: سيادة المضيق مقابل النفوذ الأجنبي
في المقابل، لم تتأخر طهران في رسم خطوطها الحمراء، معتبرة أن أي تحرك عسكري أمريكي داخل المضيق يمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقات وقف إطلاق النار القائمة، كما ويرى القادة العسكريون والسياسيون في إيران، وعلى رأسهم إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي، أن أمن هرمز هو شأن سيادي محض يقع تحت الولاية الكاملة للقوات المسلحة الإيرانية، وهذا الموقف تعزز بتهديدات صريحة من اللواء علي عبد الله، الذي حذر من أن أي اقتراب للقوات الأمريكية سيجعلها هدفاً مشروعاً للهجمات الإيرانية.
تكمن خطورة هذا الصدام في أن إيران تصر على التنسيق المسبق كشرط وحيد لأي عبور، بينما ترى واشنطن في ذلك تكريساً لسيطرة طهران على شريان الطاقة العالمي، مما يضع المنطقة أمام سيناريو "حافة الهاوية" حيث يمكن لأي خطأ في التقدير من الجانبين أن يشعل فتيل مواجهة إقليمية شاملة.
تداعيات الأزمة: قلق دولي وصراع على استقرار الطاقة العالمي
بعيداً عن طرفي النزاع المباشرين، تسود حالة من التوجس في العواصم الكبرى نظراً للأهمية الاستراتيجية الفائقة لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك النفط العالمي يومياً. فمن جانبه، أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحفظاً واضحاً على "مشروع الحرية"، مشككاً في غموض إطاره العملياتي ومطالباً بضرورة التنسيق المشترك بين واشنطن وطهران لضمان حل مستدام.
أما في أقصى الشرق، فتبدو المخاوف أكثر حدة، حيث حذرت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، من أن استمرار إغلاق المضيق سيوجه ضربة قاصمة لاقتصاديات آسيا والمحيط الهادئ التي تعتمد بشكل شبه كلي على طاقة الشرق الأوسط.
إن هذا التباين في المواقف الدولية يعكس حقيقة أن أزمة هرمز ليست مجرد خلاف حدودي أو سياسي، بل هي معركة دولية لتأمين تدفقات الطاقة التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي، وسط خشية من أن تؤدي العملية الأمريكية إلى نتائج عكسية ترفع أسعار الوقود وتعمق حالة عدم الاستقرار العالمي.
وفي هذا السياق يوضح خبير العلاقات الدولية الدكتور أيمن سمير أن هذه العملية تكتسب أهمية بالغة، نظراً لدورها في تفكيك عناصر القوة التي تعتمد عليها إيران، أو ما يُعرف بالأوراق التي تستخدمها داخل مضيق هرمز،موضحاً أنه بحسب التقديرات، يوجد حالياً داخل الخليج العربي أكثر من 900 سفينة عالقة، وعلى متنها ما يزيد عن 20 ألف بحار، وقد بدأت هذه السفن بالفعل في فقدان جزء كبير من المؤن والإمدادات الحيوية.
وأكد سمير أن هذه العملية جاءت بهدف السماح لهذه السفن بالخروج بالكامل من المضيق، وهو ما يعني – وفقاً لرأيه – أن إيران ستفقد ورقة ضغط رئيسية كانت تراهن عليها، تتمثل في الضغط على المجتمع الدولي من خلال تعطيل مصالح هذه السفن، التي تنتمي إلى أكثر من 120 جنسية، وبالتالي، فإن تمكن الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترامب، من تأمين خروج هذه السفن، يُعد خطوة كبيرة من شأنها تقليص النفوذ الإيراني في هذا الملف.
ويضيف سمير أن العملية تحمل كذلك طابعاً إنسانياً واضحاً، إذ لا تهدف الولايات المتحدة من خلالها إلى التصعيد العسكري أو مناكفة إيران، بقدر ما تسعى إلى تأمين خروج السفن وإنقاذ أطقمها، التي تُقدر بنحو 20 ألف بحار يواجهون أوضاعاً صعبة.
كما يشير إلى أن العملية، وفقاً لبيان القيادة المركزية الأمريكية، تُصنف كعملية دفاعية وليست هجومية، حيث لن تستهدف القوات الأمريكية الزوارق أو السفن العسكرية الإيرانية، إلا في حال اقترابها وتهديدها المباشر للسفن التجارية الدولية.
من جانبه، يرى خبير العلاقات الدولية الدكتور أشرف عكة أن هذه العملية تُعد، دليلًا على إفلاس سياسي وعسكري، ومحاولة واضحة لاستفزاز المنطقة والعالم، ويضيف أن هذه التصريحات تمثل إشارة صريحة للعودة إلى أجواء الحرب، وهو أمر — بحسب وصفه — يجب التأكيد عليه بشكل لا يقبل النقاش.
ويتابع عكة قائلاً أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش حالة من الاضطراب الداخلي، تتجلى في الانقسام وغياب الرؤية الواضحة، لافتًا إلى أن الحسابات الانتخابية الداخلية للرئيس ترامب تتعرض لضغوط من اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، وهو ما يدفع واشنطن باتجاه حسم هذا الملف، كما يشير إلى أن هذا التصعيد يأتي في ظل تداخل وتشابك أبعاد الأزمة، سواء الاقتصادية أو النفطية أو الجيوستراتيجية، الأمر الذي وضع الولايات المتحدة في موقف استراتيجي بالغ التعقيد.
ويلفت عكة إلى أن مؤشرات هذا التعقيد بدأت تتضح، سواء من خلال سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، أو عبر تداعيات أخرى مرتبطة بشكل التواجد والتموضع العسكري الأمريكي عالميًا.
وفي ضوء ذلك، يفسر هذه التصريحات بخصوص هذه العملية باعتبارها جزءًا من تحرك أوسع، يتضمن إدخال الناقلات بالقوة العسكرية، مع مرافقة طائرات ومدمرات، وهو ما يندرج ضمن سياسة الاستفزاز، خاصة في ظل التصريحات الإيرانية المقابلة التي تتسم بالتحذير والتهديد.
ويحذر عكة من أن هذا التصعيد من شأنه تعريض الناقلات، وكذلك الأمن الإقليمي والوضع الدولي، لمخاطر جسيمة، لا سيما في ظل إدراك عالمي متزايد بحجم التداعيات الاقتصادية الكارثية والتراجع الاقتصادي الناتج عن هذه الأزمة، كما يشير إلى أن إيران كانت قد طرحت مقترحًا يمنح الأولوية لإنهاء العمليات العسكرية واستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة، بما يضمن استمرار تدفق النفط إلى العالم، غير أن الولايات المتحدة — بحسب رأيه — تسعى لاستخدام هذا الممر الحيوي كورقة ضغط ووسيلة لابتزاز المنطقة والعالم.
وفي ختام حديثه، يؤكد الدكتور أشرف عكة أن هناك استراتيجية أمريكية أعمق مما يظهر على السطح، تقوم على إعادة التموضع في نصف الكرة الغربي، وترك المنطقة والعالم يتحملان تبعات السياسات الأمريكية الخاطئة، وبناءً على ذلك، يخلص إلى أن هذه التصريحات تمثل تحديًا واضحًا، بل وإعلان حرب على إيران، ولكن بصيغة مختلفة، تهدف إلى وضع طهران تحت ضغط دولي وإقليمي وتحميلها مسؤولية اندلاع هذه المواجهة.




















.jpg)

