قرار بلا حزمة.. الجمارك تسبق البنية التحتية للسيارات الكهربائية
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، أصدرت الحكومة قرارًا بفرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية المستوردة وذلك للمرة الأولى، في توقيت تتزايد فيه التصريحات الرسمية حول دعم التحول الأخضر وخفض الانبعاثات الكربونية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، هذا القرار فتح باب التساؤلات حول مدى التوافق بين الأهداف المعلنة والسياسات الفعلية المطبقة على أرض الواقع، خاصة في ظل سوق لا يزال في بداية التشكل ولم يصل إلى مرحلة التأسيس الكامل حتى الآن.
رسوم جمركية
وفي سياق ذلك، أكدت الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية ومدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى في تصريح خاص لـ"النهار"، أن فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية في هذا التوقيت يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الداعم للاقتصاد الأخضر وبين القرارات الاقتصادية المتخذة، مشيرة إلى أن سوق السيارات الكهربائية في مصر لا يزال سوقًا غير مكتمل، ويعاني من هشاشة الطلب وضعف البنية التحتية.
وأوضحت "الملاح"، أن أعداد السيارات الكهربائية لا تزال محدودة وشبكات الشحن غير كافية، في وقت يتأثر فيه الطلب بالأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار، مما يجعله يتشكل ببطء شديد.
وأضافت، أن الرسوم الجمركية في مثل هذا السياق لا تؤدي دورًا تنظيميًا، بل تتحول إلى حاجز يمنع السوق من النمو من الأساس، بدلًا من دعمه وتوسيعه.
الدكتورة هدى الملاح
حجة التصنيع المحلي بلا صناعة قائمة
وحول التبرير الرسمي للقرار، القائم على تشجيع التصنيع أو التجميع المحلي، تساءلت "الملاح" أين هذه الصناعة؟ وأين المنتج المحلي القادر على المنافسة؟ مؤكدة أنه لا يمكن حماية صناعة لم تتشكل بعد، ولا يصح تحميل المستهلك تكلفة إضافية بحجة بديل غير موجود.
ولفتت الخبيرة الاقتصادية، إلى أن النتيجة المنطقية لمثل هذه السياسات ليست توطين الصناعة، بل انكماش السوق وابتعاد المستثمر والمستهلك معًا.
وأشارت ، إلى أن المستهلك هو الطرف الذي سيدفع الثمن في النهاية، من خلال ارتفاع الأسعار، وتضييق خيارات الشراء، وربما العودة القسرية لاستخدام السيارات التقليدية المعتمدة على الوقود الأحفوري، دون أن يحصل في المقابل على حوافز حقيقية، مثل إعفاءات ضريبية، أو برامج تمويل ميسرة، أو حتى شبكة شحن كافية تبرر المخاطرة بالتحول إلى سيارة كهربائية.
وشددت، على ضرورة أن تكون السياسات الحكومية متناسقة ومنسجمة مع نفسها، قائلة إنه لا يمكن الحديث عن اقتصاد أخضر، أو نقل مستدام، أو التزامات مناخية، في الوقت نفسه الذي تُفرض فيه رسوم تزيد من تكلفة التكنولوجيا النظيفة على المواطن، معتبرة أن القرار يبعث برسالة سلبية للسوق والمستثمرين مفادها أن التحول الأخضر ما زال في إطار الشعارات لا الأولويات.
التجارب الدولية لا تبدأ بالرسوم
وأضافت الخبيرة الاقتصادية، أن التجارب الدولية الناجحة في هذا القطاع واضحة، موضحة أن الدول التي قطعت شوطًا حقيقيًا في صناعة السيارات الكهربائية لم تبدأ بفرض الرسوم، بل ركزت أولًا على تحفيز الطلب ودعم المستهلك وبناء بنية تحتية قوية، ثم انتقلت تدريجيًا إلى سياسات حماية الصناعة بعد تشكّل السوق.
تجمد سوق السيارات الكهربائية
أكدت مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، أن فرض الرسوم في المراحل المبكرة، كما أثبتت تجارب عديدة، يؤدي إلى تباطؤ أو تجميد السوق، لا إلى بنائه.
واختتمت "الملاح" ،تصريحاتها بالتأكيد على أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في الرسوم وحدها، بل في غياب سياسة متكاملة للتعامل مع ملف السيارات الكهربائية، يتم فيها النظر إليه كملف استراتيجي متعدد الأبعاد (اقتصادي، بيئي، صناعي)، وليس مجرد ملف جمركي.
واعتبرت أن فرض رسوم جمركية على السيارات الكهربائية في هذا التوقيت هو اختيار سياسي واقتصادي له ثمن واضح، يتمثل في إبطاء التحول نحو النقل النظيف، وتقليص قاعدة المستخدمين وإضعاف ثقة السوق، ليبقى السؤال المطروح:
هل نريد التحول الأخضر فعليًا، أم نكتفي بإدارته داخل البيانات الرسمية فقط؟





















.jpg)

