في ذكرى ميلاد سميحة أيوب.. حكاية نجاة سيدة المسرح العربي من الموت مرتين
من بين أزقة حي شبرا الشعبي في القاهرة، بدأت حكاية طفلة صغيرة كانت تحمل حلما كبيرا بالوقوف على خشبة المسرح، تلك الطفلة تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أبرز أيقونات الفن العربي، إنها الفنانة القديرة سميحة أيوب التي لم تكن مجرد ممثلة عابرة، بل ظاهرة فنية صنعت تاريخا طويلا من الإبداع والعطاء.
على مدار رحلة فنية امتدت لأكثر من سبعة عقود، استطاعت أن تترك بصمة راسخة في المسرح والسينما والتليفزيون، مقدمة عشرات الأعمال التي رسخت مكانتها في ذاكرة الجمهور، لتستحق عن جدارة لقب «سيدة المسرح العربي».
ومع حلول ذكرى ميلادها في الثامن من مارس، تعود الأضواء إلى مسيرة فنانة بدأت خطواتها الأولى في سن مبكرة، لتصبح لاحقا أحد أهم الأصوات الفنية التي عبرت عن روح المسرح العربي، واسما ظل حاضرا في وجدان الجمهور عبر أجيال متعاقبة.
البدايات الأولى.. من المعهد إلى خشبة المسرح
التحقت سميحة أيوب بالمعهد العالي لفن التمثيل العربي، حيث درست على يد رائد المسرح المصري زكي طليمات الذي لاحظ موهبتها منذ وقت مبكر وأسهم بشكل كبير في صقل قدراتها الفنية وتوجيهها نحو المسرح، وتخرجت عام 1952، لكن علاقتها بالمسرح بدأت قبل ذلك بسنوات، إذ وقفت لأول مرة على الخشبة عام 1946 أثناء دراستها من خلال مشاركتها في مسرحيتي «الجلف» و«البخيل»، لتلفت الأنظار سريعا بموهبتها وحضورها القوي.
وبعد فترة قصيرة، انضمت إلى فرقة المسرح الجديد التي أسسها زكي طليمات عام 1950، لتبدأ رحلة طويلة من العمل المسرحي الجاد، وهي الرحلة التي جعلتها لاحقا واحدة من أهم نجمات المسرح في مصر والعالم العربي.
وخلال مسيرتها قدمت ما يقرب من 170 مسرحية، وهو رقم ضخم يعكس ارتباطها العميق بالمسرح وحرصها الدائم على تقديم أعمال تحمل قيمة فنية وفكرية.
أعمال صنعت مجدها الفني
قدمت سميحة أيوب مجموعة كبيرة من المسرحيات التي أصبحت علامات في تاريخ المسرح العربي، من بينها: «رابعة العدوية»، و«سكة السلامة»، و«دماء على أستار الكعبة»، و«أغا ممنون»، و«دائرة الطباشير القوقازية».
تميزت في هذه الأعمال بقدرتها اللافتة على تجسيد الشخصيات التاريخية والاجتماعية والإنسانية بعمق وإحساس كبير، وهو ما دفع النقاد والجمهور إلى إطلاق لقب سيدة المسرح العربي عليها.
ورغم أن المسرح كان عالمها الأوسع، فإنها تركت بصمة مهمة في السينما أيضا، حيث شاركت في عدد من الأفلام البارزة مثل «أرض النفاق» و«فجر الإسلام» و«بين الأطلال» و«مع السعادة»، مقدمة أدوارا متنوعة أثبتت خلالها قدرتها على التنقل بين الشخصيات المختلفة.
كما تألقت في الدراما التلفزيونية، وشاركت في أعمال ناجحة حققت حضورا جماهيريا كبيرا، من أبرزها مسلسل «الضوء الشارد» الذي يُعد من أشهر مسلسلات التسعينيات، إلى جانب أعمال أخرى مثل «أوان الورد» و«أميرة في عابدين» و«المصراوية».
دورها في إدارة المسرح القومي
لم يقتصر تأثير سميحة أيوب على التمثيل فقط، بل امتد إلى الإدارة الثقافية، حيث تولت رئاسة المسرح القومي المصري لعدة سنوات، وكانت من أوائل السيدات اللاتي شغلن هذا المنصب.
وخلال تلك الفترة أسهمت في تطوير الحركة المسرحية، وحرصت على تقديم عروض متميزة، كما دعمت العديد من المواهب الشابة وفتحت الباب أمام أجيال جديدة للظهور على خشبة المسرح.
موقفان كادا ينهيا حياتها
في أحد اللقاءات الإذاعية، كشفت سميحة أيوب عن موقفين خطيرين كادت أن تفقد حياتها فيهما.
الموقف الأول حدث أثناء تصوير أحد الأعمال في منطقة الهرم، حين وجدت مسدسا بجوارها أثناء الاستراحة قيل لها إن السلاح فارغ من الرصاص، فقررت على سبيل المزاح أن تمثل مشهد إطلاق النار على نفسها لكنها فوجئت بأن الزناد لا يتحرك، وعندما حاول أحد الموجودين إزالة الأمان خرجت رصاصة بالفعل.
ورغم خطورة الموقف، مرت الحادثة دون إصابة أي شخص، لكنها ظلت تذكرها طويلا وتشكر الله على نجاتها منها.
أما الموقف الثاني فكان أثناء عرض مسرحية «رابعة العدوية»، عندما كانت تقف داخل كشك حديدي ضمن ديكور المسرح وبعد خروجها مباشرة انهار الكشك بالكامل وارتطم بالأرض بقوة، لتدرك أنها كانت ستتعرض لحادث خطير لو تأخرت لحظات قليلة فقط.
ألم الفقد بعد وفاة نجلها
ورغم مسيرتها المليئة بالنجاحات، مرت سميحة أيوب بتجربة إنسانية قاسية، عندما فقدت نجلها، وهو الحدث الذي وصفته بأنه أصعب ما واجهته في حياتها.
وأكدت في أكثر من حديث أن هذا الفقد ترك جرحا عميقا في قلبها، لكنها تتقبل قضاء الله وقدره، معتبرة أن الموت حقيقة مؤلمة لكنها جزء من سنة الحياة.
تكريمات عربية ودولية
حصدت سميحة أيوب خلال مسيرتها الطويلة العديد من التكريمات والجوائز تقديرا لإسهاماتها الكبيرة في خدمة الفن، فقد كرمها عدد من رؤساء الدول، من بينهم الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس أنور السادات، كما نالت تكريما من الرئيس السوري حافظ الأسد، إضافة إلى تكريم من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان.
هذه التكريمات تعكس المكانة الرفيعة التي وصلت إليها، والدور الكبير الذي لعبته في إثراء الحركة المسرحية والفنية في العالم العربي.
وبفضل موهبتها الاستثنائية وإخلاصها للفن، ظلت سميحة أيوب اسما حاضرا بقوة في تاريخ المسرح المصري والعربي، ورمزا للإبداع الحقيقي الذي يظل حيا في ذاكرة الجمهور مهما مر الزمن.



.jpeg)





.jpg)

