مليارات مغسولة تحت الرقابة.. 237 قضية غسيل أموال تهز مصر في عام واحد
منذ تولي الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة مجلس الوزراء عام 2018، تصدر ملف غسيل الأموال في المشهدين الاقتصادي والأمني، ليس فقط كجريمة مالية، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على ضبط حركة الأموال داخل اقتصاد يعاني من ضغوط متراكمة، فبينما تؤكد الحكومة نجاحها في تشديد الرقابة وتحديث التشريعات، تكشف الأرقام الرسمية عن إحالة مئات القضايا بمليارات الجنيهات، كان أحدثها خلال عامي 2024–2025.
ثماني سنوات منذ رئاسة "مدبولي" شهدت تعديلات قانونية، وتوسيعًا لدور وحدة مكافحة غسل الأموال، وارتفاعًا لافتًا في البلاغات البنكية عن معاملات مشبوهة، بالتوازي مع إشادات دولية بتحسن الالتزام الفني لمصر، لكن في المقابل، تظهر قضايا ضخمة تشمل مخدرات، وتهربًا ضريبيًا، واستغلال منصات رقمية، ما يفتح باب الشك حول كفاءة الردع مقارنة بسرعة تطور أساليب الغسل.
في 27 أبريل 2025، أعلنت النيابة العامة المصرية عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك أن النائب العام محمد شوقي أحال 237 قضية إلى المحاكم الجنائية الاقتصادية في غضون عام واحد فقط، وكلها تتعلق بتهم غسل الأموال
وبحسب البيان، فقد أجرت النيابة العامة المعنية بالجرائم الاقتصادية وغسل الأموال تحقيقات في هذه القضايا كجزء من جهد أوسع لمكافحة النشاط المالي غير المشروع ودعم الشفافية في المعاملات المالية الشخصية والمؤسسية.
تجاوزت المبالغ الإجمالية المعنية 7.7 مليار جنيه مصري، و319.3 مليون دولار، و4.1 مليون يورو، و552.9 ألف جنيه إسترليني عبر حسابات مصرفية مختلفة بالعملات المحلية والأجنبية - ليصل إجماليها إلى ما يقدر بنحو 467 مليون دولار.
إلا أن الإعلان أغفل تفاصيل رئيسية مثل هويات المتهمين، وطبيعة الانتهاكات، والأنشطة المستخدمة لغسل الأموال.
وفي نفس الفترة تقريباً من عام 2024، أعلنت وزارة الداخلية عن اعتقال ثمانية أفراد متهمين بغسل 900 مليون جنيه مصري ناتجة عن عمليات تهريب المخدرات في محافظتي الدقهلية والقاهرة.
خبراء
يؤكد د. وليد حجاج، خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، والملقب إعلاميًا بـ«صائد الهاكرز»،في تصريحات خاصة لـ "النهار» أن السوشيال ميديا أعادت تعريف الجريمة، فبدلًا من الإخفاء الكامل، أصبحنا أمام غسيل أموال علني لكن مُشوَّه السياق ومتخفي تحت ستار بث مباشر يتلقى آلاف “الهدايا الرقمية” وتحديات ومسابقات مدفوعة وتبرعات وهمية باسم دعم المحتوى كل ذلك يُسجل داخل المنصة كنشاط ترفيهي، بينما هو في الواقع إعادة تدوير أموال غير مشروعة داخل اقتصاد رقمي غير مراقب ماليًا بشكل كافٍ من أخطر ما في الأمر أن العنصر البشري (المشاهد) أصبح جزءًا من العملية دون وعي.
مشيراً إلي أن حساب صانع المحتوى هو واجهة رقمية ذات موثوقية اجتماعية عالية بالإضافة إلى حماية خوارزمية من المنصة وهذا يجعله مثاليًا لغسيل الأموال، خصوصًا عندما لا يُسأل عن مصدر الهدايا ولا يخضع لتدقيق مالي حقيقي ويعمل عبر وسطاء دفع متعددي الجنسيات فبعض الحسابات لا تُنشأ للترفيه أصلًا، بل تُبنى تدريجيًا وتُضخ فيها تفاعلات وهمية ثم تُستخدم كـ بوابة مالية نظيفة ظاهريًا وهنا نتحدث عن غسيل أموال بالهندسة الاجتماعية.
وأكد "صائد الهاكرز" أن أدوات الذكاء الاصطناعي لدى المنصات غير قادرة في معظم الحالات على رصد غسيل الأموال لأن الذكاء الاصطناعي المستخدم حاليًا يركز على المحتوى المخالف وخطاب الكراهية والعنف وحقوق النشر لكن أنماط غسيل الأموال تحتاج إلى تحليل السلوك الرقمي.
وحذر "خبير أمن المعلومات" أن أخطر الثغرات السيبرانية الحالية تتمثل في تفتيت المبالغ وتحويل مبلغ كبير إلى آلاف الهدايا الصغيرة مما يصعب تصنيفه كجريمة مالية، وأختتم تحذيره مؤكدا أن المجرمين يستخدمون AI لإنشاء حسابات وتوليد تفاعل وهمي وتقليد سلوك المستخدم الطبيعي والتحايل على أنظمة الرصد بينما المنصات تتأخر تشريعيًا وتتحرك بعد الفضيحة لا قبلها لكن الخطر الحقيقي هو أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة حماية إلى شريك صامت في الجريمة
من الإغراء إلى الجريمة
تقول الدكتورة نيڤين حسني، استشاري علم النفس الرقمي وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات ونائب رئيس لجنة التحول الرقمي، لـ "النهار" إن غسيل الأموال الإلكتروني لم يعد قائمًا فقط على استغلال الثغرات التقنية أو ضعف الرقابة القانونية، بل يعتمد بشكل أساسي على فهم دقيق للنفس البشرية داخل البيئات الرقمية، وتوضح أن إدراك الأفراد للمخاطر القانونية لا يعني بالضرورة قدرتهم على مقاومة الإغراء، خاصة في ظل منصات تُكافئ السلوكيات السريعة وتمنح شعورًا فوريًا بالنجاح والقبول.
وأشارت استشاري علم النفس الرقمي إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد على آليات التعزيز الفوري، مثل الإعجابات والدعم المالي والانتشار السريع، مؤكده أن الإغراء المستمر بالربح السريع يساهم في إعادة تشكيل منظومة القيم لدى بعض المستخدمين، حيث يتراجع تقدير الجهد والعمل طويل الأمد لصالح البحث عن المكاسب السهلة والفورية، واضافت أن هذا التحول القيمي يحدث تدريجيًا، ما يقلل الشعور بالذنب ويضعف الحواجز الأخلاقية، خاصة عندما يتم تقديم الربح السريع كأنه نموذج طبيعي للنجاح على السوشيال ميديا.
و توضّح الدكتورة نيڤين حسني أن الشبكات المرتبطة بغسيل الأموال الإلكتروني تعتمد على تحفيز التعاطف الإنساني قبل أي تفكير نقدي، مؤكده أن البث المباشر يُستخدم كأداة نفسية فعّالة، ومع التفاعل اللحظي من تعليقات وتبرعات وهدايا رقمية، يتحول الدعم المالي إلى ضغط جماعي، يدفع الأفراد للمشاركة حتى في حال وجود شكوك قانونية أو أخلاقية.
وتختتم الدكتورة نيڤين حسني حديثها بالتأكيد على أن آليات غسيل الأموال الإلكتروني تتشابه بدرجة كبيرة مع تقنيات الإقناع المستخدمة في الإعلانات التجارية، حيث يتم تحفيز المشاعر بدلًا من العقل، وصناعة مصداقية وهمية عبر قصص نجاح وشهادات غير حقيقية
قانون غسيل الأموال
وعن قانون غسل الأموال، فإنه يعرف قانون مكافحة غسل الأموال المعدل بموجب القانون رقم 17 لسنة 2020 الأموال أو الأصول بأنها: «جميع الأصول المادية والافتراضية، والموارد الاقتصادية، بما في ذلك الممتلكات، والعملات الوطنية أو الأجنبية، والأوراق المالية أو التجارية، والأصول الرقمية القابلة للتداول أو التحويل»، كما نصت المادة (16 مكرر) على إمكانية وقف النشاط أو تعليق الترخيص للمؤسسات المالية التي تخالف القواعد المنظمة لمكافحة غسل الأموال لمدة لا تتجاوز عاما.



.jpg)


















.jpg)
.jpeg)

