محمد هلوان يكتُب| تركوا المعنى وتمسّكوا بـ«الجبلاوي»!.. أزمة القراءة بين ظاهر السرد وعمق الدلالة في «أولاد حارتنا»
قرأت – متأخرًا – رواية «أولاد حارتنا» للأديب الكبير نجيب محفوظ، تلك الرواية التي أثارت جدلًا ممتدًا منذ صدورها وحتى اليوم. ولا يزال كثير من المثقفين يتناولونها بوصفها نصًا دينيًا رمزيًا بالدرجة الأولى، محمّلينها تأويلات قد لا يكون صاحب النص نفسه قصدها على هذا النحو الحرفي.

انشغل البعض بتشابه شخصية «الجبلاوي» مع التصورات المرتبطة بالذات الإلهية، وبالتناص الواضح في أسماء الشخصيات ذات المرجعية الدينية، وصولًا إلى اتهام محفوظ بالكفر بزعم «إماتته للجبلاوي» داخل السرد. كما ذهب فريق آخر إلى قراءة الرواية من منظور فلسفي، محاولًا ربطها بأفكار نيتشه، خاصة مفهوم «العود الأبدي»، أو استدعاء البعد النيتشوي لإثبات تأثر محفوظ بالفلسفة الغربية.
غير أن ما أراه – مع إدراكي أن القراءة لا تحتكر معنى واحدًا – أن ثمة بعدًا سياسيًا عميقًا لم يحظَ بالاهتمام ذاته. فالحارة في الرواية ليست مجرد فضاء رمزي ديني، بل يمكن قراءتها بوصفها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، حيث تتكرر أنماط السلطة، ويتبدل القادة، بينما يبقى الناس في انتظار «المخلّص»؛ مرة بالقوة، ومرة بالمحبة والرفق، ومرة بالمزج بينهما. إنها سردية مجتمع ينتظر من يوجهه، لا من يوقظ وعيه.

في هذا السياق، تبدو الشخصيات القيادية مثل «أدهم» و«جبل» و«قاسم» و«عرفة» وغيرها، محاولات لإعادة صياغة التاريخ عبر العقل أو القوة أو المعرفة. لكن اللافت أن الشخصيات التي تبدو ثانوية – كناظر الوقف والفتوات – هي في الحقيقة المحرك الفعلي للأحداث، بدوافع بشرية خالصة، تقوم على الرغبة في النفوذ أو المال. وهنا تبرز دلالة السلطة حين تنفصل عن المثال، وتتحول إلى أداة سيطرة.

أما الفصل الأخير من الرواية، فقد بدا لي أكثر انفصالًا عن الفصول السابقة، وكأنه انتقال مفاجئ من نسق سردي إلى آخر. لا أدري إن كان ذلك تحوّلًا مقصودًا في وعي الراوي، أم أنه انعكاس لتحول أعمق في رؤية الكاتب، لكنه يظل موضع تساؤل مشروع.

صحيح أن الكاتب لا يُلزم نفسه بتفسير عمله، ويترك النص مفتوحًا على احتمالات التأويل، غير أن نجيب محفوظ اضطر – تحت وطأة الضغوط – إلى التصريح بأن الرواية ليست عملًا دينيًا بالمعنى المباشر. وهو تصريح نزع عنها إحدى القراءات الممكنة، دون أن يُلغي تعدد مستوياتها الرمزية.
أعتقد أن المعنى السياسي للرواية يتجلى بوضوح عند قراءتها في سياق زمنها، وربطها بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي كانت تمر بها مصر آنذاك. فالإجابة عن سؤال المعنى لا تكمن فقط في الرموز الدينية أو الفلسفية، بل في قراءة الحارة بوصفها استعارة لمجتمع يتكرر فيه التاريخ، وتتغير فيه الأسماء، بينما تظل آليات السلطة والانتظار على حالها.
ربما ترك البعض جوهر الفكرة، وانشغل باسم «الجبلاوي». لكن الرواية – في تقديري – أوسع من رمز واحد، وأعمق من تأويل واحد.




















.jpg)
.jpeg)

