باحثة علاقات دولية: التنسيق بين القاهرة وأنقرة صمام أمان لدعم مسارات تهدئة الإقليم
قالت الباحثة في العلاقات الدولية مونيكا وليم، إن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر تحمل دلالات استراتيجية عميقة، تعكس انتقال العلاقات المصرية التركية من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة بناء شراكة قائمة على المصالح المتبادلة والتوازن الإقليمي.
وأوضحت "وليم"، في تصريحات لـ"النهار"، أن الزيارة تمثل تتويجًا لمسار تقارب سياسي تدريجي ومدروس، تُرجم عمليًا عبر إعادة تفعيل الأطر المؤسسية للتعاون، وعلى رأسها مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.
وأضافت أن الزيارة تؤكد إدراكًا متبادلًا بثقل القاهرة وأنقرة ودورهما المحوري في الإقليم، مشيرة إلى أن العلاقات الثنائية لم تعد تُقرأ بوصفها علاقة ثنائية تقليدية، بل كأحد مكونات معادلة الاستقرار الإقليمي. واعتبرت أن هذا التقارب يبعث برسالة واضحة مفادها أن التنسيق بين القوى الإقليمية الكبرى بات ضرورة في ظل تراجع فاعلية المقاربات الصدامية وارتفاع كلفة الاستقطاب.
توقيت شديد الحساسية
وأشارت الباحثة إلى أن توقيت الزيارة يكتسب أهمية خاصة في ظل تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، وما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على أمن الشرق الأوسط. ولفتت إلى أن الحشد العسكري الأمريكي قرب السواحل الإيرانية وبحر العرب، إلى جانب المدركات الاستراتيجية الإيرانية المرتبطة بمضيق هرمز، يضعان المنطقة أمام سيناريوهات شديدة الخطورة.
وذكّرت وليم بأن الضربات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025 دفعت البرلمان الإيراني إلى التصويت لصالح إغلاق مضيق هرمز، في رسالة واضحة بأن أمن الممر الحيوي عالميًا بات ورقة ضغط بيد طهران. واعتبرت أن زيارة أردوغان إلى القاهرة تأتي في هذا السياق كجزء من تحرك دبلوماسي وقائي تقوده مصر، بالتنسيق مع قوى إقليمية مؤثرة مثل تركيا، لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع واسع النطاق.
تنسيق لاحتواء التصعيد
وأوضحت وليم أن المقاربة المصرية في هذا الملف تنسجم مع استراتيجية قائمة على التوازن الاستراتيجي وإدارة الأزمات، إذ تدرك القاهرة أن أي مواجهة مفتوحة ستؤدي إلى تفكك ترتيبات الاستقرار الهش، وستنعكس مباشرة على ملفات حيوية، من بينها أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة والأوضاع في فلسطين وسوريا ولبنان.
وأضافت أن أنقرة تشارك القاهرة هذا القلق، نظرًا لتشابك مصالحها الأمنية والاقتصادية مع مسرح الصراع المحتمل، ما يدفع الطرفين إلى البحث عن أدوار وساطة إقليمية فاعلة. واعتبرت أن الزيارة تعكس سعيًا مشتركًا لتقديم بدائل دبلوماسية للتصعيد العسكري، بما يعزز هامش الحركة أمام الأطراف الدولية ويقلل من احتمالات المواجهة المباشرة.
ملفات اقتصادية مركزية
وحول الملفات المطروحة على جدول أعمال الزيارة، توقعت وليم أن يحظى الشق الاقتصادي والتجاري بأولوية متقدمة، مع التركيز على مضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار. وأشارت إلى أن المباحثات ستتناول تشجيع الاستثمارات المتبادلة على المستوى القطاعي، وتفعيل آليات جديدة للتعاون الصناعي والتجاري.
وأضافت أن من بين القضايا المطروحة بحث استخدام العملات المحلية في المعاملات الثنائية، بما يعكس رغبة مشتركة في تقليص الاعتماد على العملات الأجنبية، وتعزيز الاستقلال النسبي في العلاقات الاقتصادية، في ظل التحولات التي يشهدها النظام الاقتصادي الدولي.
فلسطين والتنسيق الإقليمي
وأكدت الباحثة أن القضية الفلسطينية وقطاع غزة سيحضران بقوة في المباحثات، في ضوء التنسيق المصري–التركي الذي برز منذ دخول خطة السلام حيز التنفيذ وتثبيت وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى. وأوضحت أن الجانبين يتبنيان دبلوماسية حذرة للدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية، بما يعكس عمق التفاهمات البينية في هذا الملف.
وأضافت أن الزيارة ستتناول أيضًا ملفات شرق المتوسط وليبيا وأمن البحر الأحمر، في إطار رغبة مشتركة لتقليص بؤر التوتر، وتحويل مناطق الخلاف السابقة إلى ساحات تفاهم مرحلي، بما يخدم استقرار الإقليم ويحد من التدخلات الخارجية.
تفعيل الأطر المؤسسية
وأشارت وليم إلى أن التعاون المؤسسي والأمني يمثل أحد محاور الزيارة، عبر تفعيل آليات التشاور المنتظم بين القاهرة وأنقرة. واعتبرت أن هذا المسار يهدف إلى إدارة الخلافات المحتملة قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة، وتعزيز الثقة المتبادلة بين مؤسسات الدولتين.
وختمت الباحثة بالتأكيد على أن زيارة الرئيس التركي إلى مصر تعكس لحظة نضج في مسار التقارب بين البلدين، حيث باتت الزيارة مرتبطة بإدارة توازنات إقليمية أوسع، تقوم على الاحتواء الاستراتيجي بدل الصدام. واعتبرت أن التنسيق بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يشكّل أحد صمامات الأمان لمنع الانزلاق إلى مواجهات شاملة، ودعم مسارات التهدئة في الإقليم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


