الذكاء الاصطناعي بين القوة والانضباط
الحوكمة الأخلاقية والمسؤولية الخوارزمية في التأمين وإعادة التأمين
حين يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة إلى صانع قرار
لم يعد الذكاء الاصطناعي عنصرًا داعمًا للقرار في قطاع التأمين وإعادة التأمين، بل تحوّل إلى طبقة حاكمة غير مرئية تؤثر في قبول الأخطار أو استبعادها، وتسعير الأقساط، وتقييم المطالبات، ونماذج الكوارث، وتوزيع السعات وإدارة رأس المال. ومع هذا التحوّل، لم يعد السؤال المطروح هو ما الذي تستطيع الخوارزميات فعله، بل كيف نضمن أن ما تفعله يظل منضبطًا، عادلًا، وقابلًا للمساءلة.
التأمين كعقد ثقة لا كمسألة حسابية
يقوم التأمين في جوهره على العدالة في توزيع المخاطر، والثقة المتبادلة، والالتزام طويل الأجل. وعندما تُفوَّض القرارات التأمينية الجوهرية إلى أنظمة ذكية دون إطار حوكمي واضح، فإن الخطر لا يكون خطأً تقنيًا عابرًا، بل خللًا مؤسسيًا قابلًا للتكرار والتضخم، ومتخفيًا خلف كفاءة رقمية ظاهرية. من هنا، لا يحتاج الذكاء الاصطناعي في التأمين إلى دقة حسابية فقط، بل إلى انضباط مؤسسي يعكس الضمير المهني للقطاع، مترجمًا إلى سياسات ومسؤوليات واضحة.
التحيّز الخوارزمي: حين يتخفّى التمييز في هيئة أرقام
أولى الإشكاليات الأخلاقية تتمثل في التحيّز الخوارزمي. فالخوارزمية لا تُميّز بنيةً، لكنها تتعلّم من بيانات تاريخية قد تحمل تحيزات اجتماعية أو اقتصادية أو جغرافية، أو تعكس نقص تمثيل لأسواق ناشئة وفئات بعينها. الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود التحيّز، بل في تحوّله إلى قرار رقمي يُنظر إليه على أنه محايد، بينما هو في الواقع يُعيد إنتاج عدم العدالة بشكل أوسع وأسرع وأقل قابلية للاكتشاف.
ما بعد الصندوق الأسود: الشفافية كحق لا كخيار
تمثل الشفافية حجر الزاوية في أي استخدام مسؤول للذكاء الاصطناعي داخل قطاع عالي التنظيم مثل التأمين. فالنتيجة الصحيحة حسابيًا لا تكفي إن لم يكن من الممكن تفسير منطق الوصول إليها. الشفافية هنا لا تعني كشف الشيفرة البرمجية، بل تعني القدرة على شرح العوامل المؤثرة في القرار، وإمكانية مراجعته والطعن فيه، سواء من قبل الإدارة، أو الجهات الرقابية، أو أصحاب المصلحة. القرار غير القابل للتفسير يظل قرارًا عالي المخاطر، مهما بلغت دقته الإحصائية.
من يتحمل الخطأ؟ سؤال المسؤولية الخوارزمية
تبرز المسؤولية الخوارزمية كسؤال محوري لا يمكن تجاهله. ففي التأمين وإعادة التأمين، لا يجوز تفويض المسؤولية الأخلاقية إلى الخوارزمية. فالآلة تُقدّم توصية، لكن الإنسان هو من يُصدّق ويتحمل. وهنا يتجسد مفهوم الضمير المؤسسي لا بوصفه قيمة معنوية مجردة، بل كنظام مساءلة واضح يحدد مالك النموذج، وحدود استخدامه، وآليات مراجعته.
حدود البيانات: حين تصبح الخصوصية اختبارًا مهنيًا
يضيف التوسع في استخدام البيانات السلوكية أو الصحية أو البديلة بعدًا أخلاقيًا لا يقل أهمية عن دقة النماذج ذاتها. فارتفاع القيمة التنبؤية لا يمنح شرعية مطلقة للاستخدام. القاعدة المهنية أن حساسية البيانات يجب أن تتناسب مع أثر القرار التأميني، وأن ما يمكن جمعه تقنيًا ليس بالضرورة ما يجب جمعه أخلاقيًا.
إعادة التأمين: حيث تتضاعف آثار القرار
في إعادة التأمين، تتجاوز القرارات الخوارزمية أثر الوثيقة الفردية لتطال محافظ كاملة، وكفاية رأس المال، واستقرار الأسواق. وقد تؤدي نماذج الكوارث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تسعير مناطق أو دول بناءً على نقص البيانات لا على حقيقة المخاطر، أو إلى إعادة توزيع السعات على أسس معرفية غير مكتملة. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر حدّة: هل نُسعّر الخطر ذاته، أم نُسعّر نقص المعرفة عنه؟
من المبادئ إلى الممارسة: إطار الحوكمة الأخلاقية
لمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إطار حوكمة أخلاقية واضح يقوم على العدالة من خلال اختبار التحيّز، والشفافية عبر نماذج قابلة للشرح، والمساءلة بتحديد مسؤول بشري واضح، وحماية الخصوصية بالتناسب بين البيانات والغرض، والتناسب في الأتمتة بحيث لا تُفوَّض القرارات الحساسة، وأخيرًا الرقابة البشرية المستمرة عبر مبدأ Human-in-the-Loop.
التكنولوجيا تُقاس بالقوة، والحوكمة بانضباطها
الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير إنساني، بل إلى ضمير مؤسسي مُقنَّن تُترجم فيه القيم إلى سياسات، وتتحول فيه الأخلاقيات إلى حوكمة قابلة للتطبيق والمحاسبة. الحوكمة الأخلاقية ليست قيدًا على الابتكار، بل شرطًا لاستدامته، خصوصًا في قطاع يقوم في جوهره على الثقة.
في التأمين وإعادة التأمين، قد تُقاس التكنولوجيا بقوتها، لكن الحوكمة تُقاس بانضباطها.
د.أمانى الماحى
رئيس قطاع بشركة مصر للتأمين


.jpg)

.png)





.jpg)
.jpeg)


