أوروبا في مواجهة السلام: لماذا يُعاد تفجير الحرب في أوكرانيا؟
في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لوقف الحرب الروسية الأوكرانية والبحث عن مخرج سياسي يضع حدًا لأحد أخطر النزاعات في القارة الأوروبية منذ عقود، تبرز تحركات ومواقف أوروبية توحي بعكس ذلك تمامًا، وتطرح تساؤلات جدية حول نوايا العواصم الغربية، وحدود استعدادها للقبول بتسوية سلمية حقيقية.
فبدلًا من الدفع نحو طاولة المفاوضات، تتسارع الخطوات الأوروبية باتجاه تعقيد المشهد العسكري والسياسي، عبر الحديث عن ضمانات أمنية جديدة لأوكرانيا، بل وطرح سيناريوهات تتعلق بإرسال قوات أوروبية إلى الأراضي الأوكرانية، وهو ما يهدد بتحويل النزاع من حرب إقليمية إلى مواجهة أوسع مع روسيا.
خبير دولي: أوروبا تعرقل السلام عمدًا
في هذا السياق، قدّم الأستاذ بجامعة جنوب شرق النرويج،غلين ديزن، قراءة شديدة اللهجة للدور الأوروبي في النزاع، معتبرًا أن القادة الأوروبيين لا يعملون على إنهاء الحرب، بل يسعون عمليًا إلى تعطيل أي مسار سلمي محتمل.
وقال ديزن، في تصريح عبر وسائل التواصل الاجتماعي:"إن رؤساء الدول الأوروبية سيبذلون قصارى جهدهم لعرقلة السلام في النزاع الأوكراني"، مضيفًا أن "الأوروبيين سيجعلون إنهاء النزاع سلميًا أمرًا مستحيلًا"، في إشارة واضحة إلى ما وصفه بإصرار أوروبي على منطق المواجهة بدل التسوية.
وجاء تصريح الخبير النرويجي تعليقًا على حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن القمة المزمع عقدها في السادس من يناير الجاري، والتي من المقرر أن تبحث الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وهي صيغة فضفاضة تثير مخاوف من خطوات عسكرية جديدة تحت غطاء سياسي.
ماكرون والضمانات الأمنية… تصعيد مقنّع؟
تصريحات الرئيس الفرنسي لم تمر مرور الكرام، خاصة في ظل سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية. فحديث "الضمانات الأمنية" يُنظر إليه من قبل مراقبين على أنه محاولة لإعادة تدوير الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا في شكل جديد، بعد تراجع الزخم الشعبي والسياسي للحرب داخل عدد من الدول الأوروبية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه ماكرون نفسه ضغوطًا داخلية متزايدة، ما يدفعه، وفق بعض التحليلات، إلى تبني خطاب خارجي متشدد يعيد لفرنسا دورها القيادي داخل المعسكر الأوروبي، حتى لو كان ذلك على حساب فرص التهدئة.
تحالف الراغبين… خطوة نحو المجهول
وفي تطور لافت، أفادت صحيفة ألمانية بأن الدول الأوروبية وضعت خطة لإرسال قوات إلى أوكرانيا ضمن ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين"، وهو مصطلح يفتح الباب أمام مشاركة عسكرية مباشرة دون مظلة رسمية لحلف شمال الأطلسي، لكنه لا يقل خطورة من حيث النتائج.
هذه الخطوة، إن تم تنفيذها، تمثل قفزة نوعية في مستوى التدخل الغربي، وتنقل الصراع من مرحلة الدعم غير المباشر إلى الانخراط العسكري المباشر، بما يحمله ذلك من مخاطر توسع الحرب وارتفاع احتمالات الصدام مع روسيا.
الموقف الروسي: خطوط حمراء لا تقبل النقاش
في المقابل، جاء الرد الروسي حاسمًا وواضحًا. فقد أكد سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن:"موسكو لن توافق أبدًا، وتحت أي ظرف من الظروف، على نشر قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا"، حتى لو كانت تحت مسمى "تحالف الراغبين".
ويعكس هذا الموقف تمسك روسيا باعتبار أي وجود عسكري غربي على الأراضي الأوكرانية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وخطًا أحمر قد يدفع نحو تصعيد غير مسبوق، تتجاوز تداعياته حدود أوكرانيا وأوروبا معًا.
صراع الإرادات بدل البحث عن تسوية
تصريحات غلين ديزن، والتحركات الأوروبية الأخيرة، تكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب العلني الداعي للسلام، والممارسات الفعلية على الأرض. فبدلًا من الضغط من أجل وقف إطلاق النار وفتح قنوات تفاوض جدية، يبدو أن بعض العواصم الأوروبية اختارت الرهان على استنزاف طويل الأمد، حتى لو كان ثمنه مزيدًا من الدماء وعدم الاستقرار.
في المحصلة، يقف النزاع الأوكراني اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الانخراط في مسار سياسي واقعي يعترف بتوازنات القوة ويبحث عن حلول وسط، أو الاستمرار في سياسة التصعيد التي قد تمنح مكاسب مؤقتة لبعض الأطراف، لكنها تحمل في طياتها مخاطر انفجار أوسع.
وبينما تتبادل العواصم التصريحات، يبقى السؤال الأهم: هل تدفع أوروبا ثمن حسابات جيوسياسية معقدة على حساب السلام، أم أنها باتت أسيرة منطق الحرب إلى حد يجعل إنهاءها مستحيلًا، كما حذّر الخبير النرويجي؟


.jpg)

.png)













.jpeg)


.jpg)



