سلاح المخيمات.. لبنان في انتظار القرار الصعب

في لبنان، لا تُختزل المخيمات الفلسطينية في كونها أماكن لجوء، بل تحولت منذ عقود إلى ساحات مسلحة، تعكس مسار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتداخلاته مع الداخل اللبناني.
البداية تعود إلى عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، حين نزح عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى لبنان، ومع تزايد وجودهم، جاء اتفاق القاهرة عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين ليمنح الفصائل الفلسطينية حق إدارة المخيمات.
وفي سبعينيات القرن الماضي، بلغت الفصائل ذروة نفوذها مع منظمة التحرير، التي أقامت ما عُرف بـ«فتح لاند» في الجنوب، لكن الاجتياح الإسرائيلي عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين أجبرها على الخروج إلى تونس، تاركاً وراءه سلاحاً ظل حتى اليوم موضع خلاف.
ومع مرور السنوات، بقي اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، ويُقدر أعدادهم حوالي نصف مليون مواطن، موزعين على اثنى عشر مخيماً، أبرزها مخيم عين الحلوة، حيث تتوزع الفصائل بين منظمة التحرير بقيادة فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وبين الفصائل الإسلامية وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي، إضافة إلى جماعات سلفية جهادية أبرزها عصبة الأنصار وجند الشام.
أما السلاح، فيتنوع بين الخفيف كالرشاشات والقناصة، والمتوسط مثل مدافع الهاون، وصولاً إلى القذائف الصاروخية وصواريخ قصيرة المدى، التي استخدمتها بعض الفصائل، وعلى رأسها حماس في إطلاق النار من جنوب لبنان نحو دولة الاحتلال خلال جولات التصعيد الأخيرة.
لكن المشهد دخل طوراً جديداً هذا العام، مع اتفاق لبناني - فلسطيني على تسليم السلاح تدريجياً للدولة اللبنانية، فقبل أيام شهد مخيم برج البراجنة المرحلة الأولى، حيث سلمت حركة فتح شاحنة أسلحة تضم رشاشات ثقيلة وصواريخ.
حركة فتح وصفت الخطوة بأنها وديعة لدى الجيش اللبناني تعزز سيادة الدولة وتؤمن المخيمات، وفي المقابل، رفضت حماس والجهاد الإسلامي هذه الخطوة، مؤكدين أن سلاح المقاومة غير قابل للتسليم، وأنه سيبقى مرتبطاً بالقضية الفلسطينية وحدها.
وكان ملف نزع السلاح من المخيمات الفلسطينية في لبنان دخل المرحلة الثانية من الخطة منذ أيام، إذ بدأت عملية تسليم السلاح الفلسطيني في مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي في مدينة صور إلى الجيش اللبناني، على أن تستكمل عمليات التسليم لباقي المخيمات تباعا.
وللحديث عن تبعات هذا التحرك، يقول المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، أن تسليم حركة فتح سلاحها للجيش اللبناني يشكّل تحولًا نوعيًا، وذلك في إطار نية الدولة اللبنانية بحصر السلاح بيد الجيش.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ "النهار" أن نجاح تسليم سلاح حركة فتح للجيش دون أي إشكالات، "يشكل نقطة تحول سياسية مهمة، إذ يسحب من حزب الله إحدى الذرائع الرئيسية التي استخدمها لتبرير احتفاظه بالسلاح".
في ذات السياق، شدد رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني رامز دمشقية،، إن جهود نزع السلاح المخيمات قد تمهّد الطريق أمام منح اللاجئين الفلسطينيين مزيدًا من الحقوق؛ كاشفا أن اللجنة تعمل على صياغة مشروع قانون يأمل طرحه قبل نهاية العام، من شأنه تحسين أوضاع نحو 200 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ "النهار" أنه إذا رأى اللبنانيون أن هناك جدية في تسليم السلاح، وأن الفلسطينيين ملتزمون في التحول إلى مجتمع مدني بدلاً من مخيمات مسلّحة، فسوف يصبح النقاش أسهل بكثير بشأن إعطاء الفلسطينيين مزيدا من الحقوق.
وبين هذا التباين، تبقى معضلة السلاح الفلسطيني في لبنان عنواناً لمعادلة شائكة، تقوم على موازنة بين أمن الدولة اللبنانية من جهة، وحق اللاجئين في التمسك بالمقاومة من جهة أخرى، فيما تبقى المخيمات مرآة لصراع إقليمي لم يجد طريقه إلى الحل بعد.