الشاعر ناصر موسى..رهان الإبداع

مضى المشهد من حولنا طوال سنوات العقد ونيف الماضية على متاهات من الحروب والمذابح والانكسارات والخيبات فى معظم المجالات،والتى راكمت ضبابها على معظم ثوابت عالمنا المعروفة، حقا كانت هناك بعض بقع الضوء المتناثرة هنا وهناك تشكل محاولة للانعتاق والنهوض فشلت ،على تكرارها، فى أن تصبح مشروعا ثقافيًا نهضويًا متكاملًا، ولأنه من المؤكد أن الأحداث الكبرى تؤدى حتما إلى رؤى وصياغات وتطورات تعيد هيكلة، أو تعدل، أوربما تغير جزئيًا أو كليًا المجتمعات البشرية..وإذاكان المبدعون، وفى مقدمتهم الشعراء، هم القطاع القائد المنوط بهم الأخذ بيد مجتمعاتهم،وسرعة المبادرة بشأن هذا التطور، دورًا، ورسالة ،ومسئولية، فإن السؤال الأكتر أهمية وإلحاحًا فى أن واحد الآن هو:هل نجح شعراء مصرنا من أقصاها إلى أدناها،فى طرح أسئلة مجتمعاتهم التى يعيشون بها وقضاياها التى من المفترض أنهم يعيشون لها؟ ومن ثَمّ تقديم أفكارهم الخاصة بما يشكل رؤية إبداعية تتفاعل مع معطيات وتحديات مجتمعهم، وتنغمس فيه، وتعيد صياغته، وإنتاج مقدراته برؤية جديدة،بحيث يمكن- بل يجب - أن تساعد هذه الرؤية مجتمعاتهم بدايةً من دوائرها الصغيرةفى النجوع والكفور والحارات ، وصولًا إلى المجتمع المصرى كله، سواء فى مكونات هذا المجتمع الثقافية الخاصة أو مكونه الجمعى الواحد،من منطلق أن كل شئ، وأى شئ فى أى مجتمع يبدأ وينتهى بالثقافة، لكى يحدداحتياجاته الحقيقية بموضوعية وتجرد وشفافية ونجاعة وواقعية ووطنية، فهل وضع المبدعون، مثلًا، استشرافًا كاشفًا لهذا الواقع بتطوراته، وتحدياته، ومتطلباته، ومتغيراته، ومن ثم احتياجاته على المستويين الإجرائى للراهن والإستراتيجى للمقبل ،الحقيقة أن المشهد الشعرى المصرى، يؤكد فى كل لحظة أنه مازال بعيدًا كثيرأ، وعاجزًا جدًا عن القيام بهذه المهمة الكبرى..ولايزال ينظر إلى هذه المتغيرات والتحديات التى تجتاح مجتمعه بعين طائر يحلق من أعلى أوينظر من بعيد، أو يقف على باب الغابة "غابة المشكلات والقضايا والأحداث المتلاحقة المتشابكة" ولايحاول الدخول إلى قلبها لمساعدة هذه المجتمعات على معرفة اتجاه البوصلة، شعراء ومبدعون قليلون للغاية نجحوا فى هذا،شعراء امتلكوا حقًا إرادة التغييرالإيجابى، وحركية المشاركة الفاعلة على الأقل لتحسين شروط الحياة فى مجتمعاتهم الصغيرة ومن ثم الأكبر..وكان يقينًا فى طليعة هؤلاء الشاعر ناصر موسى.. فأن تبقى منطقة شاسعة تعد أكبر مساحات محافظة سوهاج على الإطلاق هى دار السلام مجهولة إبداعيًا، ومعزولًة ثقافيًا،وأن تظل كل هذه الرحابة جغرافيًا، والثراء والتنوع اجتماعيًاعاجزة عن تقديم صوت إبداعى ثقافى يمثلها، ويحمل على خاصرته الإبداعية، همومها وقضاياها،ويحرك المياه الساكنة فى نهر إبداعها الغافى على مدارعقود، لهو أمرُلايمكن وصفه بمجرد خللٍ أو قصورٍ، إن مثل هذا النوع من الغياب،لاشك، حصاد العجز الإبداعى عن امتلاك إرادة التغييرلهذا الخواءالثقافى.. حتى جاء "ناصر موسى" ممثلًا إبداعيًا وثقافيًا لكل هذه الرحابة المجهولة،وشاعرًا مبدعًا، ومثقفًاعضويًا حقًا، أزال بعطائه ركام صدأ ثقافى ران لعقود على دار السلام،ليصبح "ناصر موسى"ابن قرية عرب الصبحة هو صوت الإبداع الفاعل والمؤثر وحامل مفاتيح التطويروالتغيير الثقافى الإيجابى، لافى قريته وحدها، لكن فى كل أنحاء مركز دار السلام،الذى تحول بفضل جهوده إلى مركز تنوير حقيقى يحتشد فيه آلاف الناس من كل الفئات والأطياف والمكونات ،فى الساحات المفتوحة ومراكز الشباب وغيرها.. لافى عرب الصبحة وحدها ،بل فى كل قرى وحواضر دار السلام على اتساعها، ليستمعوا مع ناصر موسى إلى أمسية شعرية، أو ندوة ثقافية،أو محاضرة توعوية، ولتستقطب أضواء ناصر موسى التنويرية والثقافية نجوم الثقافة والفكر والإبداع من كل أنحاء المحروسة، فيأتى إليه خصيصًافى قريته البسيطة "عرب الصبحة " وزراء،ورؤساءهيئات ثقافية، ومبدعون وكتاب كبار، ونجوم شهيرة فى الصحافة والإعلام، وليمتد شعاع هذا التغييرالثقافى المؤثر إلى كل سوهاج ومعظم جنبات جنوب مصرالتى لناصر موسى فى كل زاوية فيها حضوروأثرحقيقى.وإذا كانت أقدارى السعيدة جعلتنى أحظى باكتشاف موهبته الشعرية، وتقديمه فى بداياته الأولى للساحة الأدبية فى أخميم أواخر الثمانينات،والتى شرفت بتأسيس أول نادى أدب فيها، وإصدارأول سلسلة كتب إبداعية وثقافية،وتنظيم أول مهرجان سنوى للأداب والفنون بها، وتأسيس أول فرقة مسرحية،وإصدار أول صحيفة تضاهى الصحف الكبرى فيها،فقد كانت عرب الصبحة ودارالسلام والشاعر ناصر موسى حاضرًا وشريكًا فاعلًا- إلى جانب الشاعرين العزيزين حلمى الخياط وأيمن الحمال - فى كل هذا.
لقد كانت قصة لقائى بالشاعر ناصر موسى هى بحق نموذج للإصرار وتحمل المشاق فى سبيل تحقيق الحلم، ومن ثم أداء الدور والرسالة..كان هذا اللقاء فى أحد ايام يوليوقبل نحو ثلاثين عامًا, وما أدراك ما يوليو ذروة الصيف فى جنوب الصعيد، حيث سيوف القيظ مشرعة بلاهوادة، فوجئت به يطرق باب بيتنا فى أخميم،وأنهار العرق تنهمر من شتى أنحاء جسمه،حيث تبدأ بأساور صنعتها قطرات مطر خفيف تعانق أنامله النحيلة التى تشبه أنامل عازف بيانو متمرس،وتنتهى متقاطرة كعُقدٍ تتكاثف حباته من أحجار الندى الكريمة فوق جبين يقطر براءة،وإرادة،وغموضًا فى آن واحد،كأنه خارج لتوه من أحد أحلام بورخيس، قال بحياء اسمى: ناصر موسى..وصمت هنيهة لم يمهلنى خلالها حتى أتم كلمات الترحيب التقليدية:"سمعت عنك، فبحثت طويلًا لألقاك،فلم أتمكن من الوصول إليك،فهدانى أحدهم إلى الأستاذ حلمى الخياط صديقك، الذى أرسلنى إليك..ثم بصوت أكثرحماسة وتدفقًا:"أريد أن أعرف طريقى الصحيح لكتابة الشعر"، حينها تذكرت على الفورتلك المقولة المشرقة التى قالها لى شاعرنا الكبير الأستاذ/ أوفى عبد الله الأنورفواز حينما ذهبت إليه فى منزله بسوهاج، وأنا أخطو نحو عتبات إتمام المرحلة الثانوية،ولاأملك إلا حبًا جارفًا للأدب، وبعض حماسة تشبه حماسة "ناصرموسى"،وثمة موهبة،وقلت له ذات الكلمة :"أريد أن أعرف طريقى الصحيح لولوج كرمة الشعروالإبداع"،فكان رد الأستاذ أوفى حينها: "إن شخصًا يقول ذلك بهذا الصدق والإصرار، سيُقدر له أن يصل إلى مايصبو إليه..وقد كان فلم يمض وقت طويل حتى أيقنت أن ذلك الفتى فارع القامة رشيق الجسد، رقيق الملامح، والتى تحمل قسماته ذلك المزيج الخالد لعناق النيل بالغرين الخصب، أيقنت أن ابن عرب الصبحة الذى لايحمل شهادة دراسية، حيث ترك التعليم فى بدايات المرحلة الإبتدائية عقب وفاة والده،وذلك لرعاية الأرض والأسرة، سيصل حتمًا إلى مايصبو إليه، وقد فعل،فبعدما وضعنا معًا برنامجًا للقراءة حددناه بدقة وحسم، وضعنا برنامجًا موازيًا لاستكمال الدراسة التزم به شاعرنا بقسوة وصرامة، وأذكر أننى لم أغادر سوهاج لاستكمال دراساتى العليا والعمل بالصحافة إلا وشاعرنا ناصر موسى قد اجتاز بجهد رائع المرحلة الإعدادية، وكذاحفراسمه شجرة سامقة فى حديقة شعراء سوهاج،إنها تجربة تشبه الإعجاز، تجربة بقدرماتتكئ على موهبة حقيقية،فهى تستندإلى دأب فريد ووفاء نادر،ورغبة لاتلين فى تثقيف الذات بفهم عجيب وإصرارلايعوزه ذاك الصبر الأيوبى،وتلك المثابرة التى اشتهر بهما فارس دار السلام النابه ناصر موسى،وكأن الشعر والإبداع عنده هو ضرورة ضرورات الحياة , فتحول "ناصر موسى "من مجرد شاعرٍ يوجد آلاف الشعراء مثله فى ربوع مصر،إلى رمزٍإبداعى وثقافى يحمل مشاعل التنوير لبلده،ويمثل النموذج الأرقى والأبهى شاهق الضوء والسموق لقيم الإنسان والشاعر والمبدع والمثقف الذى يصرعلى أن يحمل حلمه بين أنامله مهما واجه من محن وعقبات، ويتأبط وبذات الإصرار كل أحلامنا معه، لقد راهن ناصر موسى طوال رحلته على إبداعه وحده، فكسبنا نحن شاعرًا كبيرًا،وكسب هوالرهان، لأن رهان الإبداع هو رهان الحيا
د.السيد رشاد برى
- شاعر وناقد وباحث
- نائب رئيس تحرير الأهرام