أسامة شرشر يكتب: ميار.. حـــدوتة مـــصرية
يبدو أننا نعيش في زمن الردة التعليمية وتراجع تصنيف التعليم ما قبل الجامعي في مصر نتيجة عدم وجود سياسة أو رؤية أو خطة أو منهج بسبب فشل السياسات التعليمية وعدم الرقابة البرلمانية في أهم ملف في مصر وهو ملف التعليم الذي أصبحنا فيه في ذيل الدول العربية بعد أن كنا نقود قافلة التعليم والتنوير والبحث العلمي بسبب القرارات والتغييرات غير المبنية على أي دراسة أو أخذ رأي الخبراء أو أساتذه المناهج وعلم النفس والاجتماع والسادة المدرسين المحترمين؛ لذا نجد أننا أصبحنا خارج الخدمة التعليمية بعد أن كنا نرسم الطريق للدول العربية والآخرين ونعلمهم، وكان المدرس المصري رمزًا للتعليم والتنوير وخرَّج أجيالًا للدول العربية من الأطباء والمدرسين والمهندسين ورجال الفكر التنويرى والوزراء والباحثين.
إن الأمم الناجحة والمتقدمة تُقاس دائمًا بمدى اهتمامها بتعليم أبنائها، وبمقدار ما تكنّه من تقدير واحترام حقيقي للمعلّمين وللهيئات التعليمية والتربوية؛ فهم حجر الزاوية في بناء الإنسان وأساس نهضة الأوطان.
فهل يُعقل أن يتم حذف واستبعاد رائد التنوير الشيخ (رفاعة الطهطاوي) من الأسماء والرموز المقررة في مناهج التربية والتعليم؟!
للأسف الشديد لا توجد رقابة تعليمية أو برلمانية على هذا الوحل التعليمي، وهذا يذكرنا بالدكتور (جمال شيحة) ونحن في البرلمان الذي كان من أفضل رؤساء اللجان البرلمانية ومعه الدكتور المفكر والمبدع (سمير غطاس) والدكتور (مصطفى كمال الدين حسين) ابن (كمال الدين حسين) الذي أحدث نهضة تعليمية، والدكتورة (رشا إسماعيل) المستشارة الثقافية لسفارتنا في إسبانيا سابقًا، والذين كانوا أعضاءً للجنة التعليم في البرلمان المصري عندما كانت الانتخابات حرة بعيدة عن (القائمة المطلقة وليست النسبية) التى هي أُس البلاء البرلماني في مصر، وكانت سببًا في اختفاء المستقلين والكفاءات البرلمانية الحقيقية من المشهد البرلماني.
وما يفعله هذا الوزير القادم من المجهول التعليمي أنه ينمّي ويرسّخ (ثقافة الضياع واللامبالاة التعليمية)!
يبدو أن هناك من لا يعي ولا يدرك القيمة الحقيقية لرموز مصر التنويرية وأساطيرها الفكرية؛ قامات بحجم (رفاعة الطهطاوي)، وعميد الأدب العربي (طه حسين)، وأديب نوبل (نجيب محفوظ)، والمفكر (لويس عوض)، وغيرهم الكثير ممن صاغوا وجدان الأمة وشكّلوا هويتها الحضارية.
وتطور الأمر لدرجة أن المدرس الآن أصبح مفعولًا به وليس فاعلًا، وبات في حاجة إلى الدعم والمساندة بعدما تدنت رواتب المعلمين في مصر بصورة غير مسبوقة، حتى أضحى المعلم في ذيل الجهاز الإداري للدولة من الناحية المادية؛ فالعامل في قطاع البترول أو البنوك يتقاضى أضعاف ما يتقاضاه المعلم، وتلك هي الطامة الكبرى والكارثة الحقيقية التي تضرب المنظومة التعليمية.
وهنا تحضرني المقولة الشهيرة للمستشارة الألمانية السابقة (أنجيلا ميركل) حين طالبها بعض القضاة والأكاديميين بمساواة رواتبهم برواتب معلمي التعليم الأساسي في ألمانيا، فأجابتهم بحكمة: «كيف أساويكم بمن علّمكم؟». ولعل القائمين على التعليم يستوعبون هذا الدرس، فالأزمة تكمن في إدارة تفتقر إلى الرؤية التعليمية الحقيقية وتثقل كاهل العملية التربوية.
ولكن، وسط هذا التراجع الذي يقر به الجميع، تبزغ شمس أمل في سماء الوطن، خارجة من عمق نيل مصر وأصالة ترابها، لتبعث برسالة للعالم أجمع أن مصر ما زالت ولّادة بالمواهب والنوابغ وحفظة كتاب الله، ولتلقن درسًا في فصاحة اللسان ومخارج الألفاظ وعراقة اللغة العربية الفصحى.
ففي إطار مسابقة «تحدي القراءة العربي» التي أطلقها الشيخ (محمد بن راشد)، كانت شاشات القنوات الناطقة باللغة العربية في حالة من الذهول والإعجاب بهذه الموهبة الاستثنائية والمعجزة المصرية؛ التي تحولت بحق إلى (حدوتة) تلهم العالمين العربي والإسلامي.
إنها ابنة الحادية عشرة، ميار الشوربجي، القادمة من ريف محافظة كفر الشيخ؛ الفتاة التي شغلت الرأي العام بفصاحتها، ووطنيتها، وعمق انتمائها لأرض الكنانة؛ قاهرة الأزهر الشريف والكنيسة الوطنية، لتؤكد أن مصر رغم كل التحديات والردة التعليمية ما زالت تحمل في جيناتها سر الخلود و«الحدوتة المصرية».
لقد هزت هذه الفتاة الوجدان بذكائها، وتفوقها، وحسن بيانها، وحضور بديهتها السريعة. والسر يكمن في نشأتها على حفظ القرآن الكريم، فكانت فاعلًا لا مفعولًا به، لتصنع نقطة ضوء وسط هذا النفق المظلم، وتثبت أن البيت المصري الأصيل، والمعلم المخلص، والأسرة العظيمة، قادرون على التحدي وصناعة الفارق رغم قسوة الظروف.
ومن المفارقات التى تُدرَّس أن ميار وهي ابنة مدرسة حكومية أحدثت زلزالًا تعليميًا في العالم العربي والإسلامى؛ حيث تنافست في مسابقة «تحدى القراءة العربي» مع 40 مليون متقدم من 60 دولة عربية وإسلامية، وكان التحدي أن تكمل قراءة 50 كتابًا واستطاعت هي أن تقرأ 70 كتابًا.
وعندما سألها المذيع الإماراتي عن رسالتها قالت: وصلت إلى رقم واحد وأريد أن أصنع الفارق.
لقد صنعت ابنة مصر حدثًا استثنائيًا في دولة الإمارات حين امتدحها الشيخ (محمد بن راشد آل مكتوم)، نائب رئيس الدولة حاكم دبى، قائلًا لها: «أنتِ بحق وحقيقة ابنة مصر»، وسط عاصفة من التصفيق والاحتفاء.
إن الإنجاز الحقيقي لا يكمن فقط في الجائزة المادية (التي تتجاوز 7.5 مليون جنيه)، بل في قيمته المعنوية والتربوية الكبرى؛ فهو برهان ساطع على أن أبناء مصر قادرون دومًا على كسر القيود وإثبات ريادتهم عربيًا وعالميًا.
حفظ الله مصر ببناتها وشبابها وأبنائها وشعبها الأبي وجيشها العظيم.
هذا الشعب الصابر العظيم الذي تجاوز بصبره كل التحديات بالرغم من هذه الحكومة الفاشلة.
فالمعلمون المصريون أصبحوا أكثر من أيوب صبرًا على هذا البلاء وهذه الكارثة التعليمية.
وإن غدًا لناظره قريب.


.jpg)

.png)
.jpg)
.jpeg)

.jpg)






