النهار
الخميس 27 أغسطس 2026 11:25 مـ 13 ربيع أول 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
بإعفاء 51.4 مليار جنيه من الفوائد والغرامات.. ”التخطيط” تكشف التفاصيل الكاملة لتسوية مديونيات ”الهيئة الوطنية للإعلام” المستحقة لبنك الاستثمار مشادة بسبب المخدرات تتحول لجريمة قتل.. عاطل يطعن جاره طعنة قاتلة في الخانكة الأوركسين.. مادة كيميائية تدفعك لتحقيق أهدافك الأطفال «الملتصقون».. لماذا يتبعك طفلك في كل مكان؟ بيراميدز يعبر أبو قير بثنائية ويتربع على صدارة الدوري خلال فعالية تضامنية نظمتها سفارة تركيا في القاهرة للأسر المصرية والفلسطينية ..السفير شن : تركيا تعمل مع مصر على إيصال المساعدات... بين البيان والقرار.. السفير على موسى بستعرض رؤاه حوّل رهان نبيل فهمي على «بيت العرب» جهود مشتركة وتنسيق وثيق بين الجوازات والقنصلية العامة السودانية بالقاهرة لتسهيل معاملات الجالية نبيل فهمي يهنئ إسماعيل ولد الشيخ أحمد بانتخابه أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي «المنشآت السياحية» تنقل مقرها مؤقتًا إلى وسط القاهرة حمزة عبدالكريم بديلا في تشكيل برشلونة أمام أتلتيك بلباو في الدوري الإسباني”“ محمد صلاح يقود هجوم طرابزون أمام فرينكفاروزي المجري في الدوري الأوروبي

منوعات

من لاعب في الأهلي إلى خيمة في ملعب غزة.. حكاية ”محمود سلمي” مع الحرب وكرة القدم

بينما كان الملعب بالنسبة إلى محمود سلمي، لاعب كرة القدم الفلسطيني، المكان الذي يذهب إليه لممارسة اللعبة التي أحبها منذ طفولته، أصبح الملعب نفسه يومًا مأوى له ولعائلته بعدما فقد منزله، وتحولت كرة القدم من حلم يسعى لتحقيقه إلى شيء يفتقده ويتمنى أن يعود إليه.

"كنت دائمًا أذهب إلى الملعب من أجل اللعب، لكن اليوم أعيش في الملعب لأنه لم يعد لدي منزل أو مكان آخر" .. بهذه الكلمات يختصر سلمي جانبًا من حكاية طويلة عاش خلالها الحرب والنزوح والخوف، إلى جانب ابتعاده عن كرة القدم التي كانت جزءًا أساسيًا من حياته.

وفي حديث خاص لـ"جريدة النهار" ، يقول سلمي إن معاناة الفلسطينيين لم تتوقف منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى أن الرياضيين عاشوا جانبًا كبيرًا من هذه المعاناة، بعدما اضطروا إلى النزوح عدة مرات، وعانوا من نقص الطعام ومياه الشرب والاحتياجات الأساسية.

واضاف "معاناتنا كانت كبيرة جدًا منذ بداية الحرب وحتى اليوم، والظروف التي نمر بها صعبة للغاية، خاصة نحن الرياضيين.. عانينا من النزوح عدة مرات، وانقطاع الطعام، وكنا دائمًا نبحث عن مياه للشرب"،ثلاث سنوات من الحرب جعلت الحديث عن المعاناة أكبر من أن تختصره الكلمات، فكل يوم كان يحمل تجربة جديدة، وكل صباح يبدأ بمحاولة تأمين أبسط الاحتياجات للعائلة.

يقول سلمي: لو أردت أن أتحدث عن المعاناة سأحتاج إلى شهر كامل، لأن كل يوم تعيش معاناة جديدة، وكل يوم تحاول أن توفر مياهًا نظيفة وطعامًا وتحصل على الاحتياجات الأساسية للعائلة».

ـ البداية من حارة صغيرة

قبل أن تصبح الحرب جزءًا من تفاصيل يومه، كانت كرة القدم هي الحلم الذي بدأه سلمي من حارة صغيرة عندما كان في الثانية عشرة من عمره 

يتذكر أن أحد المدربين شاهده أثناء لعبه، ولاحظ امتلاكه مهارات مميزة، ليعرض عليه الانضمام إلى نادي الوفاء الرياضي، ومن هنا بدأت رحلته مع كرة القدم.

وفي السادسة عشرة من عمره، وصل إلى الفريق الأول، قبل أن ينتقل في الثامنة عشرة إلى نادي اتحاد الشجاعية، أحد الأندية الجماهيرية الكبيرة في فلسطين لم تكن البداية سهلة، خاصة مع الضغوط التي صاحبت وجوده في فريق كبير، لكنه استطاع سريعًا إثبات نفسه وحجز مكانه في التشكيل الأساسي، وتقديم مستويات وأرقام جيدة.

ثم جاءت واحدة من أهم محطات مسيرته، عندما انتقل إلى مصر في عام 2018 مع منتخب الجامعات لكرة القدم ، حيث التقى سلمي بالكابتن علاء ميهوب، الذي شاهد مستواه وتحدث معه، قبل أن يخبره برغبة النادي الأهلي في انضمامه إليه.

يقول محمود عن تلك اللحظة: "بالنسبة إلي كان هذا حلمًا وفرصة كبيرة، ولم أكن مصدقًا بصراحة أن ناديًا كبيرًا مثل الأهلي المصري يريدني"، قضى سلمي قرابة عام في الأهلي، وصفها بأنها فترة تعلم واستفاد منها كثيرًا، قبل ألا تكتمل التجربة، ليعود بعدها إلى غزة ويواصل مسيرته بين الدوري الفلسطيني والدوري الأردني.

ـ عندما توقفت كرة القدم

لكن الحرب لم تغيّر حياة سلمي وحده، بل أوقفت كرة القدم الفلسطينية بأكملها في قطاع غزة، الملاعب تضررت، والدوري توقف، والتدريبات اختفت، وأصبح اللاعبون الذين اعتادوا أن تكون كرة القدم جزءًا أساسيًا من حياتهم بعيدين عن الملاعب لسنوات.

اكد سلمي: "من الصعب بالنسبة إليّ، وبالنسبة إلى أي لاعب فلسطيني، أن تكون معتادًا على لعب كرة القدم باستمرار، وكل حياتك مرتبطة بها، ثم تجد نفسك لثلاث سنوات لا تستطيع اللعب أو حتى التدريب" والأصعب ايضاً بالنسبة إليه لم يكن فقط التوقف عن اللعب، وإنما رؤية لاعبي العالم يمارسون كرة القدم بصورة طبيعية، بينما يعيش اللاعب الفلسطيني واقعًا مختلفًا تمامًا.

واشار محمود إلى أن كرة القدم الفلسطينية كانت قبل الحرب تشهد تطورًا ملحوظًا، مع اهتمام أكبر بالدوري وإنشاء ملاعب جديدة، إلى جانب حضور جماهيري كبير في بعض المباريات التي كان يصل عدد جماهيرها إلى نحو 15 أو 20 ألف متفرج ، لكن الحرب أوقفت كل ذلك، وتوقف الدوري والتدريبات، وأصبح اللاعب الفلسطيني يعاني، ليس فقط بسبب ابتعاده عن اللعبة، ولكن أيضًا بسبب فقدان مصدر رزقه.

"كنت أذهب إلى الملعب لألعب.. وأصبحت أعيش فيه"

وسط كل هذه التفاصيل، تبقى واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في حكاية محمود سلمي، تلك التي وجد فيها نفسه يعيش داخل المكان الذي اعتاد الذهاب إليه لممارسة كرة القدم.

يقول: "من أصعب الأشياء التي أقولها كلاعب كرة قدم أنني عشت في ملعب كرة قدم، وأصبحت خيمتي في ملعب كرة" كان الملعب بالنسبة إليه مكانًا للحلم والمنافسة، لكنه أصبح خلال الحرب مكانًا للسكن، بعدما لم يعد لديه منزل أو مكان آخر.

وتتضاعف قسوة المشهد عندما يتحدث عن الخوف الذي عاشه هو وعائلته، بعدما أصبح القصف جزءًا من يوميات الحرب ، ويقول إن السنوات الماضية شهدت نزوحًا متكررًا، وفي كل مرة كان عليه أن يبدأ من جديد، باحثًا عن المياه والطعام والاحتياجات الأساسية، إلى جانب الخوف المستمر من القصف بالقرب منه أو من أفراد عائلته.

ـ أب لطفلتين في مواجهة الحرب

بعيدًا عن الملعب وكرة القدم، كان سلمي يعيش معركة أخرى من أجل عائلته ، فهو أب لطفلتين، وكان همه الأول خلال الحرب هو توفير الاحتياجات الأساسية لهما، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي عاشتها العائلته ، ورغم كل ما مر به، يؤكد أنه يحمد الله على نجاته وعائلته، وعلى أن الأمور مرت رغم صعوبتها.

ـ من لاعب إلى سند لزملائه

ومع توقف الدوري الفلسطيني لثلاثة مواسم تقريبًا، لم تتوقف معاناة اللاعبين عند فقدان فرصة ممارسة كرة القدم، وإنما امتدت إلى الجانب المادي، بعدما فقد كثير منهم مصدر رزقهم ، وفي وسط هذه الظروف، حاول سلمي أن يستفيد من قدرته على الوصول إلى الدعم والمساعدات لمساندة عدد من الأسر الرياضية التي كانت أوضاعها صعبة.

ويقول "بفضل الله استطعت أن أساعد عددًا من الأسر الرياضية، وهذا الأمر دائمًا يكون مصدر فخر كبير لي"، ربما لم يستطع محمود سلمي أن يعود إلى الملعب لاعبًا، ولم يستطع أن يستكمل حياته الكروية بالطريقة التي كان يحلم بها، لكن علاقته بكرة القدم لم تنتهِ ، فهو لا يزال ينتظر اليوم الذي تعود فيه الحياة إلى الملاعب الفلسطينية، ويعود الدوري من جديد، ويستطيع اللاعبون ممارسة اللعبة التي حُرموا منها لسنوات.

وفي النهاية، لا يبدو حلم سلمي معقدًا؛ فقط يريد أن تنتهي الحرب، وأن تعود كرة القدم إلى فلسطين، وأن يعود هو وغيره من اللاعبين إلى الملاعب، لا بحثًا عن مأوى، وإنما بحثًا عن حلم بدأ منذ أن كان طفلًا في الثانية عشرة من عمره.