أسامة شرشر يكتب: مكتبة الإسكندرية.. حدوتة مصرية
ستظل مكتبة الإسكندرية إحدى المنارات الثقافية والبحثية والعلمية التى تحتوى على أمهات الكتب بداية من أوراق البردى وصولًا إلى الوثائق الإلكترونية.
وكان صاحب فكرة مكتبة الإسكندرية هو الإسكندر الأكبر الذي أراد أن يجعل من الإسكندرية عروسًا للبحر المتوسط ثقافيًّا وسياحيًّا واقتصاديًّا وعلميًّا، وقام بطليموس الأول بتحويل هذه الفكرة إلى واقع عملي واستكمل بناءها بطليموس الثاني، لتكون هذه المكتبة شاهدًا على عبقرية المصريين، بموقعها المتميز ومبناها الذي كان يُعتبر لوحة هندسية خطيرة على شاطئ البحر المتوسط.
لماذا الإسكندرية؟
أو كما قالها ابن الإسكندرية يوسف شاهين (إسكندرية ليه؟)
لأنها كانت مكانًا وملاذًا للجميع منذ الإغريق وحتى الإيطاليين وكل الجنسيات الأوروبية المختلفة التى وجدت في الإسكندرية ضالتها المنشودة، فهي تجمع بين التاريخ والأصالة والحداثة، وأهل الإسكندرية عاشقون للثقافة والفن والمسرح في أمر تتوارثه الأجيال تلو الأخرى، ليخرج منها رموز فكرية وثقافية أثْرت الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية المصرية، وعلى رأسها بالطبع فنان الشعب سيد درويش، وبيرم التونسي الذي كان نتاجًا طبيعيًّا لنموذج الإسكندرية المدهش، وصولًا إلى كثير من الباحثين والمفكرين والبرلمانيين في تاريخ الإسكندرية الحديث.
ولِمَ لا؟ فالمؤرخ الإنجليزي جوني منصور الذي رفض احتلال مصر وأسلم كتب مذكراته عن الإسكندرية وقصر نوار باشا، الذي شهد حفلًا رائعًا لكوكب الشرق أم كلثوم، والذي لم يكن مجرد قصر، ولكنه كان منارة تحكي تراث وحكاية الإسكندرية، وكتب عن الثورة الثقافية الفنية، وازدهار المسرح الذي قاده رموز مثل بيرم التونسي وبديع البساطي، الذين أثْروا الحياة الثقافية في معشوقته الإسكندرية.
فكانت الإسكندرية حاضنة للمواهب والشعراء والأدباء والرموز الثقافية على اختلاف توجهاتهم وميولهم.
وأخيرًا جاء الدكتور أحمد زايد لرئاسة مكتبة الإسكندرية، وهو منصب لم يأتِ من فراغ، بل كان اختياره مستندًا إلى معايير أكاديمية وعلمية وبحثية، وإلى إسهاماته وكتبه كعميد لكلية الآداب جامعة القاهرة، وأيضًا استنادًا إلى فترة عمله في البنك الدولي، فهو يجمع بين الخبرة الدولية الممتدة لسنوات طويلة، والتعايش والاندماج في كل أزقة وحارات مصر بكل معاني هذه الكلمات، فهو رمز من رموز التنوير وإعمال العقل النقدي.
أعتقد أن الدكتور أحمد زايد كان اختيارًا موفقًا ليكون امتدادًا لعهد الدكتور مصطفى الفقي المفكر والكاتب والحكاء، وأحد سفراء كتيبة وزارة الخارجية المصرية العظام الذين تركوا بصماتهم في كل مكان، كما تحظى المكتبة بدعم لوجستي كبير من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، لإعادة الاهتمام المحلي والعالمي بها.
وكان مهندس هذه المكتبة في عصرها الحديث هو الدكتور إسماعيل سراج الدين، الذي أعاد هذه المكتبة إلى النور بعد اندثارها تاريخيًّا وحرقها على يد الغزاة، فأعاد المهندس العبقري بناء المكتبة من جديد ووضعها في بؤرة الاهتمام العالمي في منظمة اليونسكو، لتكون آخر قنديل زيت يشع من أرض الإسكندرية لنشر المعرفة والعلم في كل أرجاء العالم.
إن أخطر ما فعله المهندس إسماعيل سراج الدين والدكتور مصطفى الفقي وأخيرًا الدكتور أحمد زايد، هو التواجد المحلي من خلال تشجيع زيارات طلاب المدارس والجامعات المصرية للمكتبة لتصبح مكتبة الإسكندرية فعلًا منارة سياحية وثقافية لكل أبناء مصر قبل أن تكون منارة علمية لكل الباحثين عن المعرفة حول العالم.
ولقد حظيت مكتبة الإسكندرية على مدار السنوات الماضية بزيارات عديدة من ملوك ورؤساء ومشاهير على رأسهم الملك تشارلز ملك بريطانيا عندما كان وليًّا للعهد والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك والملك كارل السادس عشر ملك السويد والملكة صوفيا ملكة إسبانيا السابقة وغيرهم الكثير من الأدباء والمفكرين من جميع أنحاء العالم وأعتقد أن ملك إسبانيا سيزور المكتبة في زيارته القادمة لمصر، ولكن ما يهم حقًّا هو أنهم جميعًا انبهروا بالمخطوطات والكتب التى تضمها المكتبة بين جنباتها، وأنهم عندما زاروا المكتبة أدركوا أن الحضارات لا تُباع ولا تُشترى وأن التاريخ والثقافة والتراث كلها أمور لا تُعرض في المزادات، وأن الإسكندرية إحدى بقاع أرض مصر المحروسة مرجع وملاذ آمن للباحثين عن المعرفة وعن قيمة العلم.
ولقد جاء معرض الكتاب الأخير الذي نظمته مكتبة الإسكندرية، وتعايشنا فيه من خلال لقاءات وندوات فكرية وثقافية والتقينا خلاله مع العديد من المفكرين والباحثين من كل الاتجاهات الفكرية والثقافية، وكان على رأسهم مفتى الجمهورية الدكتور نظير عياد، ليكون هذا المعرض بحق بوتقة تثير الفكر والحوار وملتقى لأفكار شباب الإسكندرية وشباب مصر، وهذا ما شاهدته وتعايشت معه من خلال لقائي في مكتبة الإسكندرية، وندوتي حول تأثير الإعلام العربي الطاغي على المجتمع وعلى الرأي العام المصري والعربي، فضلًا عن تأثيراته على مجالات الفن والسياسة والاقتصاد.
ولم يتوقف الأمر على المفكرين المصريين بل امتد الأمر إلى الأشقاء الباحثين والمفكرين من الدول العربية، فكان لي لقاء مع الزميلة الكاتبة التربوية السعودية أميمة زاهد صاحبة التجربة الحقيقية في الإعلام التربوي بالمملكة العربية السعودية والتى سبق لها لقاء الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز والذي كان يحظى بحب المصريين واحترامهم، والتى أكدت احترام الملك عبد الله للعلم والمعرفة مستشهدة بإرسال البعثات الطلابية السعودية للكثير من الجامعات العالمية في الخارج.
ولقد كانت الندوة مكانًا للعديد من الرسائل المهمة، على رأسها ما أكدته أن الشعب المصري يقف مع أشقائه أصحاب الأرض وأصحاب القضية أهلنا في غزة وفي الجنوب اللبناني وفي سوريا، وأن الشعب المصري لا يقبل المد الشيطاني المتمثل في المشروع الصهيوني أو محاولة ضرب الهوية المصرية من خلال فوضى السوشيال ميديا الخطر القادم على الرأي العام والعقل الجمعي المصري والعربي والتى تقوم ببث الشائعات والأكاذيب من خلال اللجان الإلكترونية والإعلامية الإخوانية والإسرائيلية بل وأخيرًا اللجان الإثيوبية التى تحاول أن تخترق وعي الشعب المصري.
كما أرسلت رسائل خلال الندوة عن محاولات إثارة البلبلة والفتنة والانقسامات بين الشعب المصري وأشقائه العرب، خصوصًا في دول الخليج العربي، ولكن هيهات؛ لأنهم لا يدركون تركيب الشعب المصري وجيناته وشفراته الحقيقية التى لم يقدر على فكها أحد.
فارتباط المواطن المصري بالأرض والحدود لا تعادله كنوز الدنيا، مذكرًا بإحدى السيدات العظيمات من أهالى غزة الكرام التى قالت (إما الأرض أو القبر).
ولقد ذكرت خلال الندوة ما يجرى في غزة والضفة الغربية والقدس الشريف وفي الجنوب اللبناني ويُعرض مباشرة على شاشات العالم من محاولات لطمس القضية الفلسطينية واللبنانية على أرض الواقع، ولكن بحكم التاريخ والجغرافيا سيبقى الشعب الفلسطيني وسيبقى الشعب اللبناني وسيبقى الشعب السوري على أراضيهم مهما طال الزمن، فالأجيال تلو الأخرى تسلم راية المقاومة والنضال لمواجهة المشروع الصهيوني المدعوم أمريكيًّا، وكما قلتها وأكررها، فإن وعد بايدن ووعد ترامب أكثر خطورة على القضية العربية من وعد بلفور، لأنهما يريدان أن يمسحا الشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية من الخريطة العالمية.
ولكنه لا ترامب ولا ألف ترامب ولا ألف نتنياهو يستطيعون أن يفكوا الشفرات العربية في غزة وصور ودمشق.
فهذه الروافد الإنسانية والثقافية ستظل حجر عثرة أمام هذا الكيان الصهيوني الذي سيفشل في مخططاته طالما بقيت مصر بجيشها خير أجناد الأرض وشعبها المؤمن إيمانًا كاملًا بالقضية الفلسطينية، وطالما بقى الأزهر الشريف وإمامه الأكبر الدكتور أحمد الطيب أحد منارات التنوير الإسلامي في العالم، وطالما بقيت الكنيسة المصرية التى ترفع شعار الوطن قبل كل شىء.
إن العدو الحقيقي للشعب المصري والشعوب العربية بل وكل الشعوب المحبة للسلام هو إسرائيل، ولن ننسى الموقف الإسباني الذي رفض رفضًا قاطعًا أن يدعم المد الأمريكي لإسرائيل بل قام بأخذ موقف رافض للكيان الصهيوني على طول الخط.
وأخيرًا ستبقى مكتبة الإسكندرية حدوتة تاريخية ومصرية تتناقلها الأجيال تلو الأجيال، وستبقى مصر منارة للعالم ثقافيًّا وفكريًّا وبحثيًّا.
أبى من أبى
ووافق من وافق.




.png)
.jpg)


.jpg)






