باحث فلسطيني لـ”النهار”: خلاف السيادة والأمن يعقد مفاوضات القاهرة بشأن إدارة غزة بعد الحرب
أكد الخبير الاستراتيجي والباحث السياسي الفلسطيني الدكتور محمد خليل مصلح، أن المباحثات الجارية في القاهرة بشأن ترتيبات "اليوم التالي" في قطاع غزة دخلت مرحلة حاسمة، في ظل تداخل المسارات السياسية والأمنية مع التصعيد الإقليمي، معتبرًا أن جوهر الخلاف لم يعد مرتبطًا بإدارة الخدمات المدنية، بل بمسألة السيادة الأمنية ومستقبل إدارة القطاع بعد انتهاء الحرب.
وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن الحراك الدبلوماسي يأتي بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية، بما في ذلك الضربات الأمريكية ضد أهداف داخل إيران، وما رافقها من مخاوف من اتساع رقعة المواجهة، الأمر الذي دفع الوسطاء الإقليميين والدوليين إلى تكثيف جهودهم لتسريع التوصل إلى تفاهمات تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع، وتدفع نحو إنهاء الحرب على غزة.
خطوة تكتيكية
ورأى الباحث الفلسطيني أن إعلان حركة حماس حل لجنة الطوارئ الحكومية في قطاع غزة يمثل خطوة سياسية تهدف إلى إزالة العقبات أمام مفاوضات القاهرة، عبر سحب الواجهة الإدارية للحركة من المشهد، بما يسهم في نزع الذرائع الإسرائيلية والدفع باتجاه ترتيبات جديدة لإدارة القطاع.
وأضاف أن هذه الخطوة تمهد الطريق أمام تشكيل لجنة وطنية توافقية تتولى إدارة الملفات المدنية والخدمية، مع الحفاظ على الكوادر الفنية العاملة في قطاعات البلديات والصحة والخدمات الأساسية، لضمان عدم انهيار المؤسسات الحيوية خلال المرحلة الانتقالية.
عقدة السيادة
وأشار مصلح إلى أن التنازلات الإدارية الفلسطينية تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في إصرار الاحتلال الإسرائيلي على الاحتفاظ بالتحكم في الملف الأمني، وهو ما ينعكس في الخلافات المتعلقة بإدارة الشرطة المدنية، وحرية الحركة الأمنية، والإشراف على المعابر والحدود.
وأوضح أن المقترحات الفلسطينية والوساطات الإقليمية تدعو إلى تشكيل جهاز شرطة مدنية من عناصر فلسطينية تخضع لتدقيق أمني، مع تسليم معبر رفح والمعابر الأخرى للجنة الوطنية تحت رقابة عربية أو دولية، في حين تتمسك إسرائيل، وفق تقديره، بحق التدخل الأمني وفرض رقابة مباشرة على حركة الأفراد والبضائع.
وأضاف أن هذا التباين يهدد بتحويل اللجنة الوطنية، في حال تشكيلها، إلى جهة خدمية تتحمل الأعباء الإدارية والإنسانية دون امتلاك صلاحيات سيادية فعلية، وهو ما اعتبره مصدر قلق رئيسيًا لدى القوى الفلسطينية.
مقترحات الوسطاء
وأوضح الباحث أن الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر وقطر، يعملون على بلورة صيغ وسطية لتجاوز الخلافات، تقوم على الفصل بين مهام الشرطة المدنية والسلاح العسكري للفصائل، وربط إعادة الإعمار واستمرار تدفق المساعدات بالحفاظ على التهدئة، إلى جانب طرح أفكار تتعلق بإشراف عربي أو دولي مؤقت على إعادة بناء الأجهزة الأمنية.
وأشار إلى أن هذه المقترحات تستهدف تحقيق توازن بين المطالب الأمنية الإسرائيلية والاحتياجات الفلسطينية المتعلقة بإدارة القطاع، مع توفير ضمانات تسمح ببدء عملية إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.
سيناريوهات محتملة
ورجح مصلح أن تفضي المفاوضات إلى أحد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتمثل أولها في التوصل إلى صيغة انتقالية تمنح اللجنة الوطنية صلاحيات إدارية، مع بقاء الملفات الأمنية محل تفاهمات خاصة، وهو سيناريو وصفه بأنه هش وقابل للاهتزاز مع أي تصعيد ميداني.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تعثر المفاوضات نتيجة استمرار الخلافات بشأن الأمن والمعابر، بما يؤدي إلى استمرار الفراغ الأمني وتعقيد الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.
في المقابل، أشار إلى أن السيناريو الثالث يقوم على نجاح الضغوط العربية والدولية في فرض مسار تدريجي يربط تمكين اللجنة الوطنية بإطلاق عملية سياسية أوسع، تمهد لعودة المؤسسات الفلسطينية إلى قطاع غزة، لكنه اعتبر أن هذا الاحتمال يواجه عقبات سياسية داخل الحكومة الإسرائيلية.
حل سياسي
وأكد الباحث الفلسطيني أن جوهر المفاوضات الحالية لا يتعلق بإدارة المدارس أو المستشفيات، وإنما بحسم مسألتي الأمن والسيادة، معتبرًا أن التنازل الإداري الفلسطيني نقل مسؤولية التعطيل إلى الجانب الإسرائيلي والمجتمع الدولي.
وشدد على أن أي ترتيبات أمنية لن تحقق استقرارًا دائمًا في ظل غياب أفق سياسي واضح، معتبرًا أن المقاربة الأمنية الإسرائيلية تمثل، وفق تقديره، العقبة الرئيسية أمام الوصول إلى تسوية مستدامة.
ودعا مصلح إلى ممارسة ضغوط دولية لإقرار ترتيبات تستند إلى البعد الإنساني وإعادة الإعمار، مقترحًا إسناد الملف الأمني خلال المرحلة الانتقالية إلى قوة عربية وإسلامية، تضم مصر وتركيا وقطر، بما يضمن استقرار الأوضاع إلى حين إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وتشكيل قوة أمنية فلسطينية تعمل تحت ولاية السلطة الفلسطينية المنتخبة.




.png)












.jpg)


.jpg)






