ضربة غير مسبوقة للفساد في العراق.. هل بدأت معركة استرداد الدولة؟
أعادت حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذتها السلطات العراقية بحق عشرات المسؤولين المتهمين بقضايا فساد والتجاوز على المال العام، ملف مكافحة الفساد إلى صدارة المشهد السياسي، وسط حالة من الترقب بشأن ما إذا كانت هذه الإجراءات ستشكل بداية مرحلة جديدة من المحاسبة الشاملة، أم أنها ستظل محصورة ضمن نطاق محدود.
ويرى محللون ومراقبون عراقيون، أن الحملة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة العراقية في مواجهة الفساد، الذي يُعد أحد أبرز التحديات التي واجهت مؤسسات البلاد خلال العقدين الماضيين، ويؤكدون أن القيمة الفعلية لهذه الإجراءات لن تتحدد بحجم الاعتقالات فقط، وإنما بقدرة السلطات على استكمال التحقيقات، وإحالة المتهمين إلى القضاء، واسترداد الأموال العامة.
ويشير المحللون إلى أن استمرار الحملة وتوسيعها لتشمل مختلف مستويات الإدارة ومؤسسات الدولة من شأنه تعزيز ثقة الشارع العراقي بجهود مكافحة الفساد، في حين أن توقفها عند حدود معينة أو استثناء شخصيات نافذة قد يعيد الشكوك حول فاعليتها، خصوصاً في ظل المطالب الشعبية المتواصلة بإصلاح منظومة مكافحة الفساد وترسيخ مبدأ المساءلة.
ماذا حدث في العراق؟
أعلنت السلطات العراقية، فجر الأحد، تنفيذ أوامر قبض بحق 47 مسؤولاً، بينهم أعضاء حاليون وسابقون في مجلس النواب، في واحدة من أكبر حملات الملاحقة القضائية المرتبطة بملفات الفساد خلال الفترة الأخيرة.
وأكدت هيئة النزاهة الاتحادية، في بيان رسمي، أنها باشرت تنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام، موضحة أن هذه الخطوة جاءت نتيجة تنسيق وتكامل بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، بعد عمليات متابعة ورصد وتدقيق استمرت لفترة من الزمن.
وشددت الهيئة على أن جميع الإجراءات تُنفذ وفقاً لأحكام القانون وتحت إشراف القضاء، مؤكدة أن عملها يستند إلى دعم مؤسسي من رئاسة مجلس القضاء الأعلى ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب، بما يضمن المضي في ملاحقة المتهمين بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
وكانت مكافحة الفساد في مقدمة التعهدات التي أعلنها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي منذ توليه منصبه، فيما تؤكد السلطات أن الحملة الحالية ليست إجراءً استثنائياً، بل تمثل مساراً مستمراً يهدف إلى ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد وتعزيز منظومة المساءلة داخل مؤسسات الدولة.
وتأتي هذه الإجراءات بعد سلسلة من الخطوات التي اتخذتها السلطات العراقية خلال الأسابيع الماضية، كان أبرزها مصادرة أكثر من 85 مليون دولار في قضية فساد مرتبطة بوكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، إلى جانب توقيف مسؤولين آخرين استناداً إلى نتائج التحقيقات، فضلاً عن ضبط عشرات العقارات والسيارات الفارهة وكميات من الذهب، في مؤشر على اتساع نطاق ملاحقة المتورطين والعمل على استرداد الأموال العامة.
لحظة مفصلية في مسار مكافحة الفساد
من جانبه، وصف رئيس مركز التفكير السياسي، الدكتور إحسان الشمري، الحملة الحالية بأنها "لحظة تحول" في ملف مكافحة الفساد بالعراق، موضحاً أنها استهدفت شخصيات من المستويات الأولى والثانية والثالثة، من بينهم رؤساء كتل سياسية وأعضاء في البرلمان، لافتاً إلى أن عدد الموقوفين بلغ نحو 47 شخصاً، مع وجود مؤشرات على احتمال توسع الحملة خلال المرحلة المقبلة.
وأكد الشمري، في تصريحات له أن العراق لم يشهد سابقاً حملة اعتقالات بهذا الحجم تستهدف شخصيات بهذا المستوى السياسي، معتبراً أن ذلك يعكس جدية غير مسبوقة من مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة والحكومة العراقية في معالجة ملف الفساد، الذي تجنبت حكومات سابقة التعامل معه بهذه الآلية، كما يعكس تنامي قدرة الدولة على فرض القانون في مواجهة نفوذ الأحزاب السياسية.
وأضاف أن نجاح الحملة في الوصول إلى إدانات قضائية بحق المتهمين قد يقود إلى إعادة تشكيل موازين القوى السياسية، لاسيما أن عدداً من الموقوفين ينتمون إلى كتل سياسية مؤثرة، وهو ما قد يؤثر على ثقة الناخبين بهذه القوى ويقلص فرصها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مرجحاً أن تشهد الساحة العراقية خريطة سياسية مختلفة إذا امتدت الإجراءات إلى شخصيات أكثر نفوذاً.
ورأى الشمري أن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يعد يمتلك خيار التراجع عن هذه الحملة، في ظل التأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به، وسعيه إلى استعادة ثقة المواطنين بالحكومة وإثبات اختلاف نهجه عن الحكومات السابقة في التعامل مع ملف الفساد.
وأشار إلى أن الدعم الذي تتلقاه الحكومة من مجلس القضاء الأعلى، إلى جانب الإجراءات التي تنفذها هيئة النزاهة، يوفران غطاءً مؤسسياً يسمح باستمرار الحملة، معتبراً أن ما يجري يمثل بداية لمسار أوسع قد يمتد إلى ملفات فساد جديدة ويطال شخصيات أكثر نفوذاً، رغم توقعه أن تواجه الحكومة ضغوطاً من بعض القوى السياسية المتضررة، إلا أنه استبعد أن تعرقل هذه الضغوط استمرار الحملة في ظل الدعم القضائي والشعبي الذي تحظى به.
لماذا جاء التحرك الآن؟
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة السليمانية، ميران حسين، إن حملة الاعتقالات الأخيرة تعكس توجهاً واضحاً لدى رئيس الوزراء العراقي لملاحقة المتورطين في قضايا الفساد، مشيراً إلى أن الحصيلة الأولية، التي شملت عدداً من أعضاء البرلمان والمسؤولين، تمثل مؤشراً على انطلاق تحرك عملي في هذا الملف.
وأضاف، في تصريحات له، أن توقيت الحملة يرتبط بعدة عوامل، من بينها تزامنها مع الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، حيث يسعى إلى تحقيق إنجاز مهم قبل بدء الزيارة، كما لم يستبعد أن تحظى جهود الحكومة بدعم أميركي في إطار مساعي إصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز جهود مكافحة الفساد، وهو تقييم يعكس وجهة نظره.
ووصف حسين الحملة بأنها "بداية جيدة"، معرباً عن أمله في ألا تتوقف عند هذه المرحلة، وأن تمتد لتشمل جميع المتورطين في قضايا الفساد دون استثناء، مؤكداً أن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على مواصلة المواجهة بصورة شاملة وعدم الاكتفاء بملفات محددة.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تقييم مدى جدية الحكومة واستمرارية هذه الإجراءات، وما إذا كانت ستتحول إلى نهج دائم في مكافحة الفساد.
الأموال المستردة.. مكاسب اقتصادية ورسائل ثقة
وفي السياق ذاته، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، أن الأموال المستردة تمثل رافداً مهماً لتخفيف الضغوط الواقعة على الموازنة العامة وتقليص الحاجة إلى الاقتراض، فضلاً عن دورها في تعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية.
وقال صالح، في تصريحات له، إن استرداد الأموال العامة التي خرجت من الدورة الاقتصادية نتيجة الفساد أو التجاوز على المال العام لا تقتصر أهميته على قيمته المالية المباشرة، بل يعكس إرادة حكومية واضحة في مكافحة الفساد واستعادة حقوق الدولة، بما يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين بالمؤسسات الوطنية.
وأضاف أن هذه الأموال توفر موارد إضافية يمكن توجيهها نحو تطوير البنية التحتية وقطاعات الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الأساسية، بما يسهم في دعم الاقتصاد وتحسين مستوى الخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير إعلامية عراقية إلى أن الإجراءات الأخيرة حظيت بترحيب واسع من شخصيات سياسية وبرلمانية وإعلامية، وسط دعوات متزايدة إلى استمرار الحملة وتوسيع نطاقها لتشمل جميع المتورطين في قضايا الفساد دون استثناء، بما يعزز ثقة المواطنين بالدولة ويكرس سيادة القانون.

















.jpg)






