ترقيق اليورانيوم الإيراني.. هل يكون الحل الأخير قبل استئناف الحرب مرة أخرى؟
بات اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، محور التفاوض الأكثر حساسية بين الولايات المتحدة وإيران، فبينما تتمسك واشنطن بإبعاده أو التخلص منه أو تقليل نسبته، تصر طهران على الاحتفاظ به، وفي خضم هذا الجدل، ظهر الحل، القديم نسبيا، الحديث في طرحه، وهو ترقيق اليورانيوم، فما المقصود به ، وكيف ينفذ ، ولماذا أصبح اليوم أحد أبرز مفاتيح حل الأزمة النووية الإيرانية .
خلط اليورانيوم عالي التخصيب بآخر منخفض
ترقيق اليورانيوم، أو ما يعرف فنيا بـ "داون بلندنج"، ليس عملية التخلص من اليورانيوم، ولا يعني تدمير المخزون النووي، وإنما هو إعادة خلط اليورانيوم عالي التخصيب بكميات من اليورانيوم الطبيعي أو منخفض التخصيب، بما يؤدي إلى خفض نسبة تركيز نظير اليورانيوم إلى مستويات لا تصلح للاستخدام في تصنيع سلاح نووي، مع بقائه صالحا للاستخدام في تشغيل المفاعلات النووية المدنية وإنتاج الوقود النووي.
يمنع إنتاج أسلحة نووية
وبعبارة أبسط، فإن المادة نفسها تبقى موجودة، لكن قدرتها على التحول السريع إلى مادة صالحة لصناعة سلاح نووي تتراجع بصورة كبيرة، وهو ما يجعل الترقيق مِن أهم أدوات بناء الثقة في الاتفاقات النووية الدولية، لأنه يحافظ على القيمة الاقتصادية للمخزون، وفي الوقت ذاته يقلص المخاطر العسكرية المرتبطة به.
حل وسط بين الإزالة الكاملة والإبقاء على المخزون
وتنبع أهمية هذا الخيار من أنه يحقق معادلة معقدة طالما سعت إليها الدبلوماسية الدولية؛ فلا يفرض على الدولة المالكة للمخزون التخلي الكامل عن مادتها النووية، ولا يسمح في الوقت نفسه بالإبقاء على كميات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب القابلة للاستخدام العسكري خلال فترة زمنية قصيرة، لذلك ينظر إلى الترقيق باعتباره حلا وسطا بين خيار الإزالة الكاملة وخيار الإبقاء على المخزون كما هو.
ترقيق اليورانيوم الكازاخستاني
وليس هذا المفهوم جديدا على الساحة الدولية، فقد سبق تطبيقه في أكثر من تجربة ناجحة، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ورثت كازاخستان كمية ضخمة من المواد النووية، واختارت بالتعاون مع الولايات المتحدة وروسيا نقل أجزاء من مخزونها النووي وترقيق كميات من اليورانيوم عالي التخصيب وتحويلها إلى وقود نووي منخفض التخصيب، وهو ما جعلها لاحقا واحدة من أبرز الدول الداعمة لنزع السلاح النووي.
تحويل اليورانيوم الأوكراني عالي التخصيب إلى وقود منخفض
كما سلكت أوكرانيا مسارا مشابها في تسعينيات القرن الماضي، عندما تخلت عن الترسانة النووية التي ورثتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ونقلت المواد النووية إلى روسيا، بينما جرى تحويل أجزاء من اليورانيوم عالي التخصيب إلى وقود منخفض التخصيب للاستخدامات السلمية، في إطار ترتيبات دولية هدفت إلى الحد من الانتشار النووي.
أحد السيناريوهات الأكثر قابلية للتنفيذ في إيران
واليوم، ومع عودة المفاوضات، يعود خيار ترقيق اليورانيوم ليطرح نفسه باعتباره أحد السيناريوهات الأكثر قابلية للتنفيذ، فبدلا من مطالبة إيران بالتخلي الكامل عن مخزونها، يمكن الاتفاق على خفض نسبة تخصيبه من المستويات المرتفعة، التي تصل إلى نحو 60%، إلى مستويات منخفضة، مع إخضاعه لرقابة مستمرة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن منع استخدامه في أي برنامج عسكري، وفي الوقت ذاته يسمح لطهران بالاحتفاظ بالمادة النووية في إطار برنامجها السلمي.
بين ضغوط الإزالة الكاملة وتمسك طهران بحقوقها النووية، يبدو أن ترقيق اليورانيوم قد يصبح المساحة الوحيدة التي يمكن أن يلتقي عندها طرفان، فرّقتهما السياسة والحروب، لكن قد تجمعهما المعادلات النووية الدقيقة.

















.jpg)






