أسامة شرشر يكتب: كأس العالم صراع الرياضة والسياسة
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما ترتب عليها من مقتل حوالى 16 مليون إنسان ما بين عشرة ملايين جندى وحوالى 6 ملايين مدنى لا علاقة لهم بالحرب ودمار شامل للمدن الأوروبية، فكر المحامي الفرنسي والفيلسوف جول ريميه- الذى شارك فى الحرب كجندى فى الجيش الفرنسى، ورأى الدمار والقتل يجتاحان العالم- فى أن يُستبدل العنف والخراب ببطولة رياضية كروية عالمية تجمع الشعوب حولها وتقلل التوتر والخوف الذى افترس العالم.
ومن هنا نشأت حدوتة مسابقات كأس العالم وتطورت حتى أصبحت الساحرة المستديرة لا تسيطر فقط على الأقدام بل تسيطر أيضًا على العقول، وصارت منافساتها تشغل كل العقول والقلوب البشرية في كل مكان في الكرة الأرضية وتجذب مليارات الناس على امتداد القارات الست، فهذا أكبر تجمع رياضي عالمي يتوحد فيه الناس جميعًا حول المجنونة المستديرة كرة القدم.
ولكن ما يجري في النسخة الحالية من بطولة كأس العالم ومبارياتها الموزعة على 3 دول هى أمريكا وكندا والمكسيك، يوحي بأن السياسة بدأت تتدخل فى الرياضة وتهيمن عليها بل تحول الأمر لصراع بين السياسة والرياضة، حيث تتدخل السياسة لتمنح وتمنع تأشيرات الدخول للرياضيين والمدربين والإداريين والجماهير، وأصبحت العنصرية والهاجس الأمني هما المسيطرين على مسار البطولة في غياب تام للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» برئاسة إنفانتينو الذي تحول لتابع وليس منظمًا للبطولة فقط، وكل هذا لأن أمريكا إحدى الدول المنظمة للبطولة، رغم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) كان يتدخل ويتحكم ويعطى التعليمات ويمارس دوره التنظيمي الذي أقرته الاتحادات في كل دول العالم عندما كانت البطولة مقامة في روسيا ثم فى قطر صاحبة أفضل نسخة تنظيمية للبطولة.. فلماذا هذا الازدواج في المعايير مع تنظيم أمريكا للبطولة؟
وأعتقد أن واقعة منع الحكم الصومالي عمر عبدالقادر من دخول الولايات المتحدة خير شاهد على ذلك، بالإضافة إلى حصار المنتخب الإيراني رياضيًّا على غرار الحصار البحري الذي تعرضت له إيران نفسها من ترامب، وذلك بعد تصنيف بعثة المنتخب الإيراني بين حرس ثوري ومتشددين ومعتدلين ومحافظين، وكأننا نتحدث عن بعثة سياسية وليس بعثة رياضية مشاركة في بطولة عالمية تُعتبر المتنفس الوحيد للناس وفرصة نادرة للتقارب بين الدول المختلفة، ومساحة آمنة لشعوب العالم يُخرجون فيها آهاتهم وإسقاطاتهم السياسية.
هذه المعادلات الجديدة التى يحاول البعض فرضها بتصنيف دول العالم إلى دول شمال ودول جنوب، دول معتدلة ودول راعية للإرهاب، يجب التصدي لها بحزم لأنها كلها معايير لا علاقة لها بالرياضة ولا بكأس العالم، وأخشى ما أخشاه أن ينتقل هذا التغلغل السياسي لبطولات كأس العالم القادمة؛ فتفقد البطولة قيمتها وحلاوتها.
ولا ننسى أيضًا أن إقامة الدورة الحالية لكأس العالم في 3 دول ممتدة على مساحات شاسعة جعلت عشاق ومجانين كرة القدم حول العالم في حيرة وصدمة من تكاليف التذاكر والمعيشة والانتقال وراء منتخباتهم في الدول الثلاث، وخير مثال على ذلك حارس مرمى إحدى الدول الإفريقية الذي خرج يبكى لأنه لا يملك 15 ألف دولار لإحضار والدته لمشاهدته في البطولة، ولولا أن الفيديو حظى بتعاطف عالمى على مواقع التواصل الاجتماعي لما انتبه له أحد ولما تدخّل وزير الخارجية الأمريكي لمنحها تأشيرة مجانية.
ولم يسلم حتى المنتخب الإنجليزي من المشكلات، بعدما تعرضت بعثته لإطلاق نار بجوار معسكره قبل انطلاق صافرة بداية البطولة، فضلًا عن تعرضه للسرقة... فهل طغى الجانب السياسى على الجانب الرياضى في هذه الدورة فقط؟ أم أن الأمر سيتحول إلى قاعدة تسيطر على البطولات القادمة أيضًا فتفسدها؟
فكل ما حدث من سلبيات خلال الدورة الحالية لم نره في البطولة التى تمت في قطر سنة 2022، فلم نسمع عن أي من هذه المحاذير أو الهواجس الأمنية، بل بالعكس كانت هناك تطمينات سابقة لكل عشاق كرة القدم حول العالم بأنهم مرحّب بهم لدخول قطر والاستمتاع بالبطولة وأجوائها ومبارياتها، فتحولت قطر العربية إلى واحة رياضية لمجانين الكرة العالمية.
وهذا هو الهدف الحقيقي من بطولة كأس العالم منذ نشأتها، أن تجتمع الشعوب ولا يتفرقوا، بعيدًا عن ألاعيب السياسة والسياسيين وتدخلاتهم لمحاولة استغلال البطولة لتنفيذ مخططاتهم ومصالحهم والترويج لأفكارهم على حساب كرامة بعض الدول والشعوب.
وهذا ليس كلامًا نظريًّا بل واقعًا سمعناه جميعًا من ترامب الذي طالب بأن يحل منتخب إيطاليا محل منتخب إيران في بطولة كأس العالم الحالية، ومجرد طرح هذا الأمر على العلن يُعد مؤشرًا خطيرًا على مدى محاولات التدخل السياسي في بطولة كأس العالم، فما تم رفضه مرة ربما يتم قبوله في المرة التالية، وهذا هو مكمن الخطر، فإما أن يتم تسييس بطولة كأس العالم وتصبح بطولة سياسية، وإما أن يتم معالجة هذه الأخطاء والخطايا التى أزعجت شعوب وعشاق كرة القدم حول العالم.
وهناك زاوية أخرى يجب أن نطرحها، وسؤال خطير يدور في ذهن عشاق كرة القدم في الدول العربية: لماذا لا يحلم بل ويسعى منتخب عربي للفوز ببطولة كأس العالم؟ هل تحولت الرياضة العربية إلى نسخة من السياسة العربية (مجرد مفعول بنا ولسنا بفاعلين)؟ ولماذا الإصرار على التمثيل المشرّف رغم أننا نمتلك كل الأدوات التى تساعدنا على الوصول إلى النهائيات بل والفوز بها؟ والتجربة المغربية فى نسخة قطر من البطولة خير مثال ومعبر عن إمكانيات المنتخبات العربية والإفريقية، حيث وصل منتخب المغرب للمربع الذهبى وكاد يصل للنهائى لولا الخسارة من فرنسا، ورغم ذلك لم يستطع فريق عربي أو إفريقي أن يحصل على كأس العالم منذ انطلاقها سنة 1930.. يجب أن نسأل ونصارح أنفسنا بالأسباب وراء ذلك ونسعى لتجاوزها وكتابة تاريخ جديد للرياضة العربية والإفريقية.
هذه مجرد تساؤلات واقعية، فنحن على المستوى الرياضي وعلى المستوى السياسي نمتلك كل الأدوات والإمكانيات واللاعبين الذين يبدعون في الملاعب الأوروبية ويحققون ما لا يحققه اللاعبون الأوروبيون أنفسهم، وخير مثال على ذلك محمد صلاح الذي أصبح حديث العالم في خلال 10 سنوات فقط، رغم أنه لم يتم إعداده من خلال أكاديميات أوروبية، وتحول إلى رقم صعب في المعادلة الرياضية العالمية، وفرض وجوده وأصبح سفيرًا لكرة القدم المصرية والعربية والإفريقية حول العالم، حتى إنه بتأثيره الرياضي حقق ما لم يحققه بعض سفراء الدول العربية في الخارج، بل إنه تحول إلى هرم مصري رابع، واستطاع أن يتكيف ويعمل بالعقلية الأوروبية المنظمة وليست العربية العشوائية، ليصبح الآن رمزًا وقدوة ونموذجًا، ونحن قادرون على صناعة ألف محمد صلاح على مستوى العالم العربي وقارة إفريقيا، وقد برز دوره فى قيادة منتخب مصر أمام نيوزيلندا ليقلب منتخب مصر الخسارة بهدف فى شوط المباراة الأول إلى ثلاثية لمصر مقابل هدف لنيوزيلندا لتقترب مصر من التأهل للأدوار الإقصائية.
إننى أؤكد على أن الكرة الأرضية أصبحت الآن مثل كرة القدم منقسمة بين الرياضة والسياسة، فهل تنجح السياسة في تقزيم الرياضة أم تنجح الرياضة في التمرد على السياسة وتظل مستقلة بعيدة عن التحكمات والأهواء السياسية؟! فهي لعبة الشعوب وليس الحكام، الحكام راحلون والشعوب باقية، فلماذا لا يتركون لشعوب العالم المتنفس الوحيد لهم؟ كفانا ما يقوم به اللوبي الصهيوني من إبادة بشرية في غزة وفي لبنان وفي كل مكان.
وكنت أتمنى أن يكون المنتخب الفلسطيني مشاركًا في مسابقة كأس العالم حتى يعرف العالم كله حكاية الشعب الفلسطيني الذي ظُلم سياسيًّا وحوصر رياضيًّا.
آن الأوان أن تعبر الشعوب عما يجول بخاطرها، وأن تعلن رفضها لمحاولة احتكار الدول المستبدة للرياضة الشعبية الأولى في العالم والتى يحاولون حصارها بالتصنيفات الإرهابية والقيود الأمنية.
وأخيرًا.. هل يرى العالم اتحادًا دوليًّا لكرة القدم، يكون حرًّا وصاحب قرارات مستقلة وينظم بطولة لكأس العالم مخصصة للشعوب بعيدًا عن السياسة؟
أتمنى ذلك.





.jpg)






