أسامة شرشر يكتب: قطر بين إرث الوالد حمد وانطلاقة الأمير تميم
رحل الأمير حمد بن خليفة، واضع لبنات بناء قطر الحديثة، والذي اتسم بطباع إنسانية يتحدث عنها المقيمون قبل أهل قطر، لدرجة أن قطر أصبحت إحدى الدول العربية التى لم نسمع عن تعرض مصريين فيها لأي إساءة فى أى مرحلة، وعلى درب والده استطاع الأمير تميم أن يجمع بين المواطن والمقيم في خندق واحد هو خندق الوطن، ليكونا معًا شريان التنمية الحقيقية، فالجميع يتحدث عن أعمال الأب ـ الراحل الأمير حمد ـ الإنسانية وأنه كان راعيًا حقيقيًّا للأيتام بلا ضجيج إعلامي، وعن ولائه لمن كان له فضل عليه، فرأيناه يزور مصر ليقدم واجب العزاء لأسرة معلمه المصري، أحمد منصور.
وهذا ما دفعني لأن أكتب هذا المقال عن الأمير الإنسان وموقفه من المصريين، فلقد رحل الأمير الوالد، تاركًا الراية للأمير تميم ليكمل مسيرة البناء والتنمية في قطر.
والحقيقة أن أخطر ما فعله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أنه قام بتحويل قطر من إمارة خليجية صغيرة المساحة إلى دولة لها مؤسسات، وأصبحت لاعبًا فاعلًا في الكثير من الملفات العربية والإقليمية والدولية.
واستطاع أمير قطر- رحمة الله عليه- عندما تولى الحكم عام 1995 أن يحدث توازنًا سياسيًّا مهمًّا، يمثل عملًا خارج النص وخارج المفهوم الخليجي وقتها، وهي أنه أعطى إشارة وطلقة البداية لقناة الجزيرة الفضائية بعقول وسواعد مصرية وعربية، وهي القناة التى نقلت قطر من المحلية إلى العالمية، في نبوءة خطيرة منه أن الإعلام سيكون قاطرة التنمية الحقيقية بعد عقود من حجب المعلومات عن المواطن القطري والعربي.
بل إن القناة استطاعت أن تنقل ما يجري في دول الجنوب إلى الشمال من خلال معايشة داخل الحدث بشكل مهني واحترافي وحيادي، فأصبحت قناة الجزيرة مصدر إزعاج للأصدقاء قبل الأعداء.
ويُحسب للوالد الراحل أنه كان يمتلك رؤية وحسًّا مستقبليًّا، وآمن بأن التعليم هو حجر الارتكاز ونقطة الانطلاق، فاهتم بالمنظومة التعليمية من الطالب والمعلم والمناهج والأبنية التعليمية واستعان بالخبراء والدول التى سبقت قطر في هذا المجال؛ حتى أصبحت جامعات قطر تحصل على أفضل التصنيفات العالمية، من خلال توفير بيئة حاضنة للكفاءات والبحث العلمي، فأصبح المواطن والمقيم جناحى تقدم التعليم القطري في مرحلة من أهم المراحل التى مرت بها إمارة قطر.
ناهيك عن إيمانه الحقيقي بأن يكون هناك مجلس تشريعي يتلاءم مع البيئة السياسية القطرية واختيار العناصر الوطنية لتكون هي الرقيب التشريعي على مشروعات التنمية والتقدم الذي حدث خلال سنوات قليلة حتى حول قطر إلى دولة يُدار كل شىء فيها بالتطبيقات التكنولوجية، بعدما وضع أول دستور دائم لدولة قطر عام 2004.
ولا أنسى عندما زرت قطر منذ أكثر من 15 عامًا، والتقيت بالجالية المصرية في وجود السفير المصري عبد العزيز داود، واستمتعت بالمتحف الإسلامي الذي كان مزارًا للأجانب قبل العرب، ومنطقة رأس لفان الصرح الصناعي الضخم لصناعة الغاز الطبيعي القطري، وأكاديمية التفوق الرياضي، وغيرها الكثير، ورأيت النهضة الثقافية والصحية والإنشائية الكبيرة التى قام بها الأمير الراحل الذي كان أول من أدخل الجامعات الأجنبية للتعليم القطري، وكان يتسم بالتواضع لدرجة أنه كان يذهب إلى سوق واقف ليشرب شاي الكرك ويتعامل مع المواطنين والأجانب بلا حراسة أو وساطة.
لقد استطاع الأمير الوالد أن يستغل كل الطاقات والعقول لإحداث نقلة نوعية كبيرة في مشروعات الطاقة خصوصًا الغاز الطبيعي؛ حتى أصبحت قطر تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز في العالم، وانعكس هذا على معيشة المواطن القطري، وكذلك على المقيمين؛ حتى أصبحت الدوحة حدوتة خليجية تجمع بين التراث العربي والنهضة والتقدم التكنولوجي الغربي.
وكانت (الطلقة الكبرى) التى ستظل بصمة لهذا الأمير الشيخ حمد بن خليفة هى قبول التحدي واقتحام فيفا، فكانت قطر وقتها هي الدولة العربية الأولى التى اقتحمت مجال تنظيم بطولة كأس العالم، وقامت بتغييرات كبيرة ونقلة نوعية في البنية الرياضية لتصبح مؤهلة لاستقبال هذا الحدث الرياضي الأهم في العالم، وكانت المفاجأة عام 2010 في نجاح إمارة قطر في الحصول على تنظيم كأس العالم 2022.
وجاء عام 2022 ورأينا بأعيننا بل رأى العالم كله أنها كانت أفضل بطولة تم تنظيمها في البطولات الأخيرة لكأس العالم، وأن قطر كانت قبلة لتلاقي الشعوب والأفراد والأمم بثقافاتهم المختلفة، فالجميع كان سعيدًا في واحة قطر، وحدثت حالة من الانبهار والإعجاب بمستوى تنظيم كأس العالم لاسيما بعدما تم مقارنتها بالبطولة التى تجري حاليًّا في أمريكا وكندا والمكسيك.
فلنا أن نفتخر كعرب بأن قطر استطاعت أن تحظى بالرضا الجماهيرى على مستوى العالم أكثر من أمريكا التى كانت الأسوأ تنظيمًا وتحكيمًا وقيودًا على دخول اللاعبين والجماهير والأجهزة الفنية.. ويكفينا أنه لم يتم منع لاعب أو فني أو حكم أو أى من الجماهير من حضور البطولة التى أقيمت في الدوحة، لأنها بطولة ينتظرها أكثر من 6 مليارات إنسان على مستوى العالم.
وبعد الحصول على حق تنظيم كأس العالم، قدمت قطر للعالم نموذجًا جديدًا في السلاسة في تسليم السلطة من الأمير الوالد للأمير الابن الأمير تميم بن حمد الذي تسلم الراية وبدأ التجهير للبطولة واستطاع أن يسجل الهدف الأول فيها بعقد أول لقاء بين الرئيسين «عبد الفتاح السيسي» و«رجب طيب أردوغان» قبل المباراة الافتتاحية بعد سنوات من التوتر بين القاهرة وأنقرة.
هذا قليل من كثير يجب ذكره بحق الأمير حمد بن خليفة آل ثاني.
الرجل كان له ما له وعليه ما عليه، ولكنه كان يحب شعبه، ويعمل على راحته وتقدمه بكل الطرق، وحافظ على استقرار قطر في كافة ملفات التنمية وحوّلها إلى لاعب سياسي خطير في كثير من القضايا والملفات، وهو ما شهدناه بأنفسنا في الأزمة الإيرانية الأخيرة.
ولا ننسى أو نتناسى موقف إحدى الأميرات العربيات وهي الشيخة موزة بنت ناصر التى كانت نعم السند ونعم الداعم للأمير حمد فيما شهدته قطر من نهضة علمية وبحثية وثقافية ورياضية.
وكانت هي المرأة الخليجية الوحيدة التى اعتبرها المصريون (سيدة قطر الأولى) لما تحظى به من حب وتقدير واحترام من الشعب القطري الأصيل لأعمالها الخيرية والإنسانية ومناصرتها لقضايا المرأة القطرية والتعليم والبحث العلمي.
فعزاؤنا للشيخة موزة الزوجة وشريكة درب الأمير الراحل فى بناء قطر الحديثة
وللأمير تميم بن حمد الابن وحامل راية إكمال المسيرة
وللشعب القطري والعربي.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.




.png)
.jpg)


.jpg)






