حين يفقد الإنسان صوته.. الأعلى للثقافة يناقش مصير العلوم الإنسانية في زمن المادية
استهلت لجنة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بالمجلس الأعلى للثقافة نشاطها الثقافي بندوة فكرية موسعة حملت عنوان: «هل من أهمية للعلوم الإنسانية؟»، وذلك تحت رعاية الدكتورة جيهان زكي، وبإشراف الدكتور أشرف العزازي، وبمشاركة نخبة من المفكرين والأكاديميين المتخصصين في الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
أدار الندوة الدكتور مجدي عبد الحافظ، الذي افتتح اللقاء بطرح تساؤلات تتعلق بأزمة الحداثة ومفهوم العقلانية، موضحًا أن التحولات الفكرية الحديثة أسهمت في تشكيل الإنسان المعاصر بوصفه فردًا واعيًا بذاته وقادرًا على مساءلة العالم من حوله. وأكد أن اختيار قضية «أهمية العلوم الإنسانية» لافتتاح الموسم الثقافي للجنة، التي تترأسها الدكتورة سامية قدري، جاء استجابة لحالة التراجع التي تعانيها تلك العلوم، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى دورها في حماية الوعي الإنساني والحفاظ على المنظومة الأخلاقية والقيمية للمجتمع.

وخلال كلمته، أشاد عبد الحافظ بالدكتور أحمد زايد، واصفًا إياه بـ«الفيلسوف» لما يملكه من اهتمام عميق بالبعد النظري في علم الاجتماع، قبل أن يمنحه الكلمة لعرض رؤيته حول واقع العلوم الإنسانية ومستقبلها.
وأكد الدكتور أحمد زايد أن السؤال عن جدوى العلوم الإنسانية لم يعد مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، خاصة مع تصاعد النزعة المادية وسيطرة مفاهيم الربح والمنفعة على مختلف جوانب الحياة. وأوضح أن الإنسان بات مهددًا بالتحول إلى مجرد أداة إنتاج واستهلاك داخل منظومة اقتصادية ضخمة، تفتقر إلى البعد الروحي والأخلاقي، مشددًا على أن العلوم الإنسانية تظل الوسيلة الأهم لاستعادة قيمة الإنسان باعتباره كائنًا واعيًا يمتلك حسًا أخلاقيًا وقدرة على التفكير النقدي.
وأشار زايد إلى أن التقدم الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر العلوم التطبيقية وحدها، لأن الفلسفة وعلم الاجتماع وبقية العلوم الإنسانية تؤدي دورًا محوريًا في فهم الإنسان لذاته وللآخر، كما تسهم في توجيه التكنولوجيا نحو خدمة الحضارة بدلًا من تحويلها إلى قوة تُهدد المعنى الإنساني للحياة.
من جانبه، تناول الدكتور أنور مغيث التحديات التي تواجه العلوم الإنسانية، معتبرًا أن أخطرها اختزال قيمة المعرفة في قدرتها على توفير وظائف مباشرة للخريجين، وكأن التعليم لا يُقاس إلا بمعايير السوق والعائد الاقتصادي. وأوضح أن الأزمة لا تخص العلوم الإنسانية وحدها، بل ترتبط بتزايد أعداد الخريجين في مختلف التخصصات، مؤكدًا أن ربط التعليم بسوق العمل فقط يمثل رؤية ضيقة لوظيفة الثقافة والمعرفة في بناء المجتمعات.
وأضاف أن العلوم الإنسانية تختلف بطبيعتها عن العلوم التطبيقية، لأنها تتعامل مع الظواهر الاجتماعية والنفسية والثقافية التي تحتاج إلى وقت أطول للفهم والتحليل، وهو ما يدفع البعض إلى التقليل من أهميتها مقارنة بالعلوم المادية.
ورفض مغيث الاتهامات التي تُوجَّه أحيانًا إلى العلوم الإنسانية بأنها تبرر الانحراف أو الجريمة، موضحًا أن تفسير الظواهر لا يعني تبريرها، بل يساعد على فهم أسبابها الحقيقية ومعالجة جذورها بصورة أكثر عمقًا وفاعلية. واستشهد بمثال طبي يوضح التكامل بين العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية، مؤكدًا أن القرارات المتعلقة بحياة الإنسان، مثل أولوية زراعة الأعضاء، لا يمكن أن تحسمها المعرفة الطبية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى اعتبارات أخلاقية وفلسفية وإنسانية.
كما شهدت الندوة مشاركة الدكتور محمد رؤوف حامد، الذي شدد على أهمية استعادة العلوم الإنسانية لدورها في مواجهة طغيان النزعة المادية، وتعزيز الوعي النقدي، والدفاع عن القيم الإنسانية في عالم يتجه بوتيرة متسارعة نحو الاستهلاك والتشيؤ، مؤكدًا أن مستقبل المجتمعات لا يُقاس فقط بما تملكه من أدوات تكنولوجية، بل بقدرتها على الحفاظ على إنسانيتها.























.jpg)
