اللواء شوقى صلاح لـ«النهار»: الاعتداءات على دول الخليج أكبر خطأ استراتيجى لإيران.. وقصف المفاعلات «انتحار جماعى»
** من المستبعد حدوث الغزو المزعوم من طهران لدول الخليج.. فمؤكد أن السلطات الإيرانية لا تريد أن ترتكب الحماقة الكبرى التى فعلها صدام حسين بغزوه للكويت
** الرئيس ترامب فى أزمة الآن.. وللخروج منها عليه مطالبة نتنياهو بتحمل تكاليف الحرب كاملة حتى لا يتحملها الشعب الأمريكى
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية، تفرض الحرب الدائرة في المنطقة واقعًا معقدًا يثير العديد من التساؤلات حول مساراتها وأبعادها الاستراتيجية. وبين قراءات عسكرية وتحليلات سياسية متباينة، تتصدر قضايا مثل استهداف دول الخليج، ودور القوى الكبرى، واحتمالات التصعيد أو التهدئة، واجهة النقاش. في هذا السياق، يأتي هذا الحوار مع اللواء الدكتور شوقي صلاح، الخبير الأمني والاستراتيجي، ليفكك أبرز ملامح المشهد، ويقدم رؤية تحليلية معمقة لمجريات الحرب، وانعكاساتها على الأمن الإقليمي والدولي، وفرص الحلول الممكنة في ظل المعطيات الراهنة.
وإلى نص الحوار..
لعلك تتفق معي في أن أبرز الملامح المؤسفة في هذه الحرب هي: استهداف إيران دول الخليج، فلماذا لا توجه إيران أسلحتها لمن قام بالعدوان عليها؟
- هناك شبه إجماع من المحللين العسكريين والسياسيين، سواء في مصر أو المنطقة العربية على ارتكاب إيران لخطأ استراتيجي باستهدافها دول الخليج، مؤكدين على أن هذه الهجمات إن وجهتها إيران ضد إسرائيل لحسمت الحرب خلال الأسابيع الماضية، وأجبرت إسرائيل على طلب النجدة من الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب، وذلك على غرار ما حدث في حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025. وعطفا على ما سبق فإن الدفاعات الجوية الإيرانية أصابت مؤخرا الطائرة الشبحية الأمريكية F35 واستطاع قائدها النزول بها خارج الأراضي الإيرانية، كما خرجت حاملة الطائرات الأقوى في العالم "جيرالد فورد" من مسرح العمليات مصابة جريحة، ولعل هذه الانتكاسات تحمل بصمات روسيا والصين.. فهل سيغامر ترامب بالاستمرار في الحرب؟
هذا، ومن منظور تحليلي فإن السبب الرئيسي الذي دفع إيران لاستهداف القواعد العسكرية الأمريكية بدول الخليج هو ما قامت به أمريكا قبل بداية الحرب من عمليات إخلاء شبه كاملة لمقاتليها من هذه القواعد، مما دفع الجيش الإيراني لاستهدافها باعتبارها الحلقة الأضعف التي يمكن تدميرها، معتبرة أن هذه العمليات تعد بمثابة انجاز عسكري يحسب لها، وقد يفسر اعتداءات إيران المتكررة على دول الخليج بأنها عمليات تتم لمصلحة روسيا، حيث يباع النفط الروسي - بل والإيراني أيضا- بضوء أخضر أمريكي تجنبًا للارتفاعات التصاعدية المطردة لأسعار الطاقة، وهو ما يشكل نقطة ضعف لسياسات الرئيس الأمريكي على المستويين الداخلي والخارجي.

خرج أحد المحللين الإيرانيين مؤخرا على قناة تابعة للتلفزيون الرسمي يهدد باحتلال إيران للبحرين والإمارات حال دخول القوات الأمريكية بريا للأراضي الإيرانية.. فهل يُحمل هذا التهديد على محمل الجد؟
بداية في الحروب يجب أخذ أي تهديد على محمل الجد، إلا أنه من المستبعد حدوث هذا الغزو المزعوم، وذلك من منظور عسكري استراتيجي.. فمؤكد أن السلطات الإيرانية لا تريد أن ترتكب الحماقة الكبرى التي فعلها صدام حسين بغزوه للكويت في أغسطس1990.. وعلى أثره تشكل تحالف دولي لتحرير الكويت، وخرج الجيش العراقي على أثر حرب التحرير مهزوما مدحورا في فبراير 1991، ومن بعدها لم تقم قائمة للعراق، فتم غزوه في 2003، وأُعدم صدام في 2006. هذا، وأؤيد من وجهة نظري الشخصية الدعم العسكري الدفاعي المصري لدول الخليج في هذه المرحلة الخطيرة على الأمن القومي العربي.
لقد سبق لكم العمل في الأكاديمية الملكية للشرطة بمملكة البحرين لسنوات، تحمل لديك ذكريات تعتز بها.. فلتذكر لنا بعضًا منها، والتي ربما ترتبط بأحداث الحرب بشكل أو آخر.
- لقد تشرفت بالعمل بالأكاديمية الملكية للشرطة بالبحرين لسنوات- على سبيل الإعارة من وزارة الداخلية المصرية- كعضو لهيئة التدريس ورئيس لقسم المواد الشرطية بالأكاديمية، ومن ضمن المواد الدراسية التي كنت أتولى مهمة تدريسها: حالات وضوابط استخدام الشرطة للقوة، ومادة تتعلق بمكافحة الإرهاب، هذا بجانب بعض المقررات القانونية.. ومن هنا أتوجه برسالة لأهلنا بالبحرين مفادها: حافظوا على بلدكم خاصة في تلك الأزمة، وأخص بالذكر الإخوة الشيعة – يمثلون حوالي 50% من شعب البحرين، وغالبيتهم العظمى يؤيدون ويدعمون نظام الحكم الرشيد للمملكة- وأقول لهم بكل ثقة "أنتم في بلدكم تعيشون بحمد من الله في ظروف متميزة اقتصاديا وحقوقيا، لا ينعم بها شعب إيران، وقيادات المملكة يتسمون بالحكمة البالغة، التي يفتقدها في عصرنا الحالي رؤساء لدول عظمى". وسأذكر للقارئ الكريم جانبًا من أحداث شاركت فيها؛ يرجع تاريخها لفبراير٢٠١١، لما لها من دلالات قوية على الواقع الحالي؛ حيث وجه الفريق/ طارق الحسن، رئيس الأمن العام بتكليفي بالمشاركة في حلقة نقاشية مع جميع العاملين بقوة الأمن الخاصة بالبحرين – تشبه هذه القوة قطاع الأمن المركزي في مصر- لتناول ملف ضوابط الاستخدام المشروع للقوة في مواجهة الاحتجاجات غير السلمية. وأذكر في هذا السياق أن قائد قوات الأمن الخاصة وقتها وفي كلمته الافتتاحية للقاء أشار بقوله: "المحتجون هم أهلنا.. ولأسباب كلنا ندركها يصدر من بعضهم أعمال تمثل احتجاجات غير سلمية.. لذا نريد من نقاشنا اليوم الوقوف حول أساليب المواجهة التي تتفق مع القانون ومبادئ حقوق الإنسان". ومن هنا أدركت مدى قوة تماسك شعب البحرين العظيم.. هذا، واستمر اللقاء مدة تجاوزت الثلاث ساعات، تبادلنا فيها الخبرات واستفدنا جميعا على المستوى المهني؛ الأمني والقانوني.
حزب الله بلبنان والحشد الشعبي بالعراق دخلا حلبة الصراع ضد إسرائيل وأمريكا منذ بداية الحرب تضامنًا مع إيران وأخذًا بمبدأ وحدة الساحات.. بينما لم يفعلها الحوثيون إلا مؤخرا، رغم ثقلهم في ميزان المواجهة، فهل من مبرر لهذا التأخير؟
ربما وجد الحرس الثوري والجيش الإيراني أنه من الأنسب إدارة الحرب وفقًا لقاعدة التدرج في استخدام أذرعه العسكرية وقدراته القتالية، ليشارك الحوثيون في مرحلة متأخرة من المواجهة؛ لتقديم الدعم اللازم في المواجهة الكبرى بين المتحاربين، وحيث بدأت إسرائيل مؤخرا في استهداف منشآت الطاقة الإيرانية ووحدات الدفاع الجوي بجزيرة "خرج" وأهداف حيوية أخرى.. فقد وجب تدخل الحوثيين ليزيدوا الأمر تعقيدا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وحيث نجحت إيران في غلق مضيق هرمز والتحكم فيه مما أحدث أزمة طاقة عالمية.. ولعل تدخل الحوثيين في محاولة لغلق باب المندب سيزيد الأمر تعقيدا مما هو عليه الآن.

اتجاهات الرأي العام الأمريكي تشير إلى رفض 64% من الجمهور الأمريكي خوض ترامب لهذه الحرب، والكونجرس منقسم بقوة حول اعتماد ٢٠٠ مليار دولار طلبها البنتاجون للحرب، كما تتسم تصريحات ترامب بكونها متضاربة.. فما قراءتك التحليلية لهذه المعطيات؟
السؤال الذي يراود الكافة الآن: هذه الحرب ستُسقط من: النظام الإيراني أم نظامي ترامب ونتنياهو؟ إذ نجح نتنياهو في إيهام ترامب بأن تصفية المرشد الأعلى وقادة إيران سيترتب عليه سقوط النظام، رغم أن جميع الخبراء في أمريكا وخارجها أكدوا على عدم سقوط النظام الإيراني بهذه الطريقة الساذجة، والآن يزين نتنياهو لترامب بأن ضرب منشآت الطاقة في جزيرة "خرج" ثم القيام بالمزيد من الضربات سيحسم المعركة.
هذا ومن المؤكد أن الرئيس ترامب في أزمة الآن، ولعل أفضل السبل التي يتوجب عليه اتباعها لاختبار مصداقية نتنياهو في الحرب ضد إيران هي؛ أولا: ضرورة مطالبة الأخير بتحمل تكاليف الحرب كاملة، حتى لا يتحملها دافع الضرائب الأمريكي، ومن ناحية ثانية وهي الأهم أن تشارك إسرائيل بمقدار مساو على الأقل لما تساهم به أمريكا من قوات برية في العمليات العسكرية البرية المقبلة، فلا يتحمل الجيش الأمريكي وحده مهام الغزو البري المحتمل، حيث تُعد هذه المهام هي الأخطر من حيث المخاطر، لما تكلفه من فاتورة للدم. وسيترتب على هذا غالبا عدم قدرة الرئيس ترامب على تسويق أي نصر يدعيه أمام شعبه في هذه الحرب، وسيخسر حزبه الانتخابات القادمة، وبموجب هذه الهزيمة المحتملة.. سيسقط نظام حكم ترامب لأسباب: جنائية وسياسية، وستسقط حكومة نتنياهو، ويحاكم جنائيا وسياسيا من باب أولى.
هل هناك احتمال للجوء ترامب أو نتنياهو لاستهداف مفاعل بوشهر الإيراني، أو ضرب منشآت الطاقة وإظلام طهران واحتلال جزيرة "خرج"؟
نقل الإعلام الإيراني عن متحدث باسم مقر "خاتم الأنبياء" العسكري في إيران قوله: "إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للوقود والطاقة لهجوم من قِبَل العدو، فسيتم استهداف كافة البنى التحتية للطاقة، وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه في المنطقة".. وبالطبع، فضرب منشآت النفط بخرج سيقابله استهداف مقرات الشركات الأمريكية الكبرى بالخليج، لذا فعلى أطراف الصراع حساب خطواتهم القادة بدقة شديدة، فالخسائر ستكون فادحة للجميع.. وعطفًا على ما سبق فإن نفذ ترامب تهديده ووعيده بإظلام إيران، أي بضرب منشآت الطاقة الرئيسية بها، فسيكون الرد: إظلام الإنترنت الأمريكي في المنطقة أيضا، ونذكر في هذا السياق بأن تدمير خط أنابيب الغاز الروسي الذي كان يُصدر من خلاله الغاز لأوروبا- على يد الأوكرانيين- ربما جاء وقت الانتقام له على يد الإيرانيين.
وجدير بالذكر أن لجزيرة "خرج" أهمية بالغة من واقع جغرافيتها السياسية (Political Geography) حيث يركز الضوء على: المساحة، الحدود، والموارد.. ونشير في هذا الصدد إلى أن هناك نوعين من السيطرة: الأولى بالنيران، والثانية: السيطرة بالقوات، ولعل الأخيرة هي التي تتحقق بها غالب الأهداف، أي ليكتمل نجاح المهمة يجب أن يستتب الأمر ويستقر بشكل مستدام.. فإن أصبحت القوات مهددة بالاستهداف فستصبح فاتورة الغزو لا تحتمل.. والمثال على هذا ما حدث للقوات الأمريكية في أفغانستان، وكما هو الحال أيضا بالنسبة لوضع القوات الإسرائيلية في سيناء قبل تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي.. ولعل احتلال جزء من إيران لا تقل درجة صعوبته عن النموذجين آنفي الذكر. أما عن قصف المفاعلات النووية، خاصة: "بوشهر/ ديمونة" فهو أمر نراه مستبعدا باعتباره قرار انتحار جماعي لإيران وإسرائيل معا.
هل هناك أي مؤشرات تجعلنا نتفاءل بنجاح المفاوضات الراهنة مع استمرار الحرب؟
محاولتي للإجابة عن هذا السؤال تحملها رسالتان؛ الأولى للرئيس ترامب مفادها: إن كنت تريد إنجاح المفاوضات مع إيران وفقا لمبدأ "أمريكا أولا" فلتسند الأمر لنائبك: "جي دي فانس" أما إن عزمت على مواصلة الحرب فلتكلف بهذه المفاوضات "كوشنر و ويتكوف" وتأكد أنهما سيُفشلان المفاوضات تحقيقًا لمبدأ: "إسرائيل أولًا".
أما رسالتي الثانية فهي لإيران، أنصح من خلالها المفاوض الإيراني بتخفيض سقف شروط التفاوض لإنهاء الحرب، وعلى إيران أن تتجنب استهداف دول الخليج لقطع الطريق على ترامب ونتنياهو لتحويل بوصلة الحرب إلى حرب: خليجية/ إيرانية، ونكرر السيناريو الكارثي السابق للحرب الإيرانية العراقية، والتي استمرت لثمانى سنوات.. وغني عن البيان من هو الرابح الأكبر فيها.



.jpeg)





.jpg)

