بردية مصرية تكشف سر “التصحيح الفني” قبل 33 قرنًا.. عندما استخدم فنانو مصر القديمة طلاءً أبيض لإعادة رسم التفاصيل
كشفت دراسة حديثة لقطعة أثرية مصرية نادرة عن جانب مدهش من مهارة الحرفيين في مصر القديمة، حيث أظهرت بردية يعود تاريخها إلى نحو 3300 عام أن الفنانين في ذلك العصر لم يكونوا معصومين من الخطأ، بل كانوا يلجأون إلى وسائل دقيقة لتصحيح الرسومات وإعادة تشكيلها، في ممارسة تشبه إلى حد كبير ما يعرف اليوم بسائل التصحيح.
وتعود هذه البردية إلى نسخة من كتاب الموتى أُعدّت خصيصًا للكاتب الملكي راموس، الذي عاش خلال أوائل القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ويضم هذا النص الجنائزي مجموعة من التعاويذ والرسوم التي كان يُعتقد أنها تساعد المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر، وترافقه في مراحل العبور إلى الحياة الآخرة وفق معتقدات المصريين القدماء.

تعديل فني يكشف دقة الحرفيين
أثناء إعداد مجموعة من البرديات لعرضها ضمن معرض بعنوان صُنع في مصر القديمة، لاحظ فريق من أمناء متحف فيتزويليام في كامبريدج بالمملكة المتحدة تفصيلاً غير مألوف في إحدى الرسومات. فقد تبين أن الفنان الذي رسم المشهد أجرى تعديلاً لاحقًا على صورة حيوان برأس ابن آوى.
ويظهر في المشهد راموس وهو يضع يديه على جسد إله برأس ابن آوى، يُعتقد أنه الإله ويبواوت، أحد الآلهة المرتبطة بالحرب والصيد في المعتقدات المصرية القديمة. إلا أن التدقيق في الرسم كشف أن شكل الحيوان لم يكن كما نراه الآن في النسخة النهائية.
فقد اكتشف الباحثون أن الفنان أضاف خطوطًا بيضاء واضحة على جانبي جسد الحيوان وعلى الجزء العلوي من ساقيه الخلفيتين، وهو ما أدى إلى تغيير مظهره ليبدو أكثر نحافة مقارنة بالشكل الأصلي الذي كان أعرض قليلاً.
وأوضحت أمينة المعرض هيلين سترودويك أن هذا التعديل يوحي وكأن أحدهم رأى الرسم الأولي ورأى أن شكل الحيوان يبدو ممتلئًا أكثر مما ينبغي، فطلب تعديله ليبدو أكثر تناسبًا، وهو ما دفع الفنان إلى إعادة رسم بعض الخطوط باستخدام طلاء أبيض كثيف فوق الرسم الأول.
أدوات علمية تكشف ما أخفاه الزمن
ولفهم طبيعة هذا التعديل بشكل أدق، استخدم الباحثون مجموعة من التقنيات العلمية الحديثة، من بينها التصوير بالأشعة تحت الحمراء، والذي مكّنهم من رؤية الطبقات الأولى للرسم المخفية تحت الطلاء الأبيض.
وقد أظهرت هذه التقنية بوضوح أن الخطوط البيضاء لم تكن جزءًا من التصميم الأصلي، بل أضيفت لاحقًا لتغيير شكل الحيوان وإعادة ضبط أبعاده.
كما استخدم الفريق مجهرًا رقميًا ثلاثي الأبعاد لتحليل مكونات الطلاء الأبيض المستخدم في عملية التصحيح. وأظهرت النتائج أن هذه المادة تتكون من خليط من معدنين أبيضين هما الكالسيت والهونتيت، وكلاهما من الكربونات الطبيعية التي كانت معروفة في مصر القديمة وتُستخدم في صناعة الأصباغ.
ومن المثير للاهتمام أن التحليل المجهري كشف أيضًا وجود آثار دقيقة لطلاء أصفر فوق بعض مناطق التصحيح. ويرجّح الباحثون أن هذه اللمسات الصفراء أضيفت لتخفيف حدة اللون الأبيض وجعله يندمج بشكل أفضل مع لون ورق البردي، الذي كان في الأصل أكثر إشراقًا وفتحة مما أصبح عليه بعد آلاف السنين.

تقنيات التصحيح لم تكن استثناءً
تشير الملاحظات التي جمعها الباحثون إلى أن استخدام مواد التصحيح لم يكن أمرًا نادرًا بين الحرفيين المصريين القدماء. فقد ظهرت أمثلة مشابهة لهذه الممارسة في برديات أخرى محفوظة في المتحف البريطاني وكذلك في المتحف المصري بالقاهرة.
غير أن هذه التعديلات غالبًا ما تمر دون ملاحظة، لأن العين غير المتخصصة قد لا تميز بسهولة بين الطبقة الأصلية للرسم والطبقات التي أضيفت لاحقًا لتصحيح الأخطاء أو تعديل التفاصيل.
رحلة البردية منذ اكتشافها
اكتُشفت بردية راموس في مقبرة ببلدة سدمنت في مصر الوسطى عام 1922، وذلك على يد عالم الآثار البريطاني ويليام فليندرز بيتري، أحد أبرز رواد علم المصريات في العصر الحديث.
وبعد اكتشافها بوقت قصير، أصبحت البردية جزءًا من مجموعة متحف فيتزويليام، حيث خضعت لعمليات ترميم معقدة استمرت سنوات طويلة. فقد كانت البردية مكوّنة من مئات القطع الصغيرة المتفرقة، الأمر الذي تطلب جهداً دقيقًا لإعادة تجميعها وترميمها بطريقة تحافظ على شكلها الأصلي.
ويصل طول هذه البردية إلى أكثر من 60 قدمًا، وهو ما يجعلها من أطول وأجمل نسخ كتاب الموتى التي وصلت إلينا من مصر القديمة.
اكتشافات أخرى تكشف حياة الحرفيين
يأتي هذا الاكتشاف ضمن سلسلة من الملاحظات الجديدة التي ظهرت أثناء التحضير لمعرض “صُنع في مصر القديمة”، والذي يهدف إلى تسليط الضوء على مهارة الحرفيين الذين شاركوا في بناء وتزيين المقابر الملكية في وادي الملوك.
وفي سياق العمل على المعرض، أعلن المتحف في يوليو الماضي عن اكتشاف آخر لافت، تمثل في العثور على بصمة يد بشرية عمرها نحو 4000 عام على نموذج طيني يُعرف باسم “بيت الروح”. وكان هذا النموذج يستخدم في الطقوس الجنائزية لوضع القرابين، ويُعتقد أن البصمة تعود لأحد الحرفيين الذين صنعوه قبل آلاف السنين.
نافذة على عالم الحرفيين القدماء
تكشف هذه الاكتشافات عن جانب إنساني لافت في أعمال الفنانين المصريين القدماء؛ فخلف الدقة المذهلة للرسوم والنقوش التي ما زالت تثير الإعجاب حتى اليوم، كان هناك فنانون يعملون بدقة وصبر، يراجعون أعمالهم ويصححون أخطاءهم ويعيدون تشكيل التفاصيل حتى يصلوا إلى الصورة المثالية.
وهكذا تمنحنا هذه البردية لمحة نادرة عن عملية الإبداع نفسها في مصر القديمة، وليس فقط عن النتيجة النهائية التي وصلت إلينا عبر آلاف السنين.
ومن المقرر أن يستمر عرض هذه البردية وغيرها من القطع الأثرية ضمن معرض “صُنع في مصر القديمة” في متحف فيتزويليام بمدينة كامبريدج حتى 12 أبريل 2026، حيث يتيح المعرض للزوار فرصة فريدة لاكتشاف أسرار الحرفيين الذين صنعوا واحدة من أعظم الحضارات في تاريخ الإنسانية.















.jpeg)





.jpg)

