النهار
الإثنين 2 فبراير 2026 04:57 صـ 14 شعبان 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
مرافعة قوية للنيابة العامة بجنايات شبرا: الدم يصرخ.. والقاتل لا يُغتفر.. والنهاية طعنة واحدة السيطرة على حريق بشونة قش أرز بقرية بشبيش قبل امتداده للمناطق السكنية احمد الوكيل ..التوافق على زيادة حجم التبادل التجارى بين مصر وتركيا إلى 15 مليار دولار الإنتقام القاتل.. المؤبد لقاتل طفل والمشدد عامين للمتواطئه بقليوب رئيس جامعة المنوفية يعلن إنجازًا جديدًا للمستشفيات الجامعية: الاعتماد الكامل لمستشفى معهد الكبد القومي 57 محطة خلال ثلاث مسارات لوسائل النقل المختلفة بديل ترام الرمل الشروع في قتل شخص واستعراض القوة ينتهيان بالسجن المشدد 15 عام لعاطلين بالقناطر «هيئة التحكيم وعوارض الخصومة» رسالة دكتوراه بحقوق الزقازيق تناقش آليات الحسم خارج القضاء لا تهاون مع المخالفين.. غلق وتشميع محال وسنتر تعليمي مخالف بالحي الثامن بمدينة العبور تكافؤ الفرص تواصل جهودها للتوعيه المجتمعيه والأنشطة والفعاليات ضمن مبادره ”قرية مصرية بلا أمية” على طاولة تكافؤ الفرص بجنوب سيناء ”تضامن الغربية” يواصل حملات التوعية بمخاطر الإدمان ضمن مبادرة ”أنتِ أقوى من المخدرات” لتيسير المرور وخدمة المواطنين.. أعمال مكثفة لتطوير طرق المنيرة بالقناطر

عربي ودولي

لماذا لن تحصل واشنطن على غرينلاند؟ مؤشرات فشل الصفقة وبداية تشكّل نظام عالمي أكثر تعددية

السفير صلاح حليمة ل”النهار”: غرينلاند كشفت ”غطرسة القوة الأمريكية” وأسقطت وهم ”أمريكا أولاً”

السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصرى للشؤون الأفريقية
السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصرى للشؤون الأفريقية

تتراكم المؤشرات السياسية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية لتؤكد أن سيناريو استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند يتجه نحو الفشل، وأن أوروبا حسمت موقفها برفض الصفقة مهما بلغت كلفة المواجهة، في مسار مرشح لإعادة رسم ملامح النظام العالمي القائم.

أول هذه المؤشرات يتمثل في التحول الأوروبي من التردد إلى المواجهة العلنية. تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول الانتقال إلى "عالم بلا قوانين" واتهامه واشنطن بمحاولة إضعاف أوروبا لم تكن مجرد موقف سياسي، بل إعلان قطيعة مع منطق الابتزاز القائم على "غرينلاند مقابل الناتو". هذا الموقف عززته لندن، التي أكد رئيس وزرائها أن الجزيرة ليست للبيع، إلى جانب مواقف حادة من فرنسا وألمانيا والسويد.

المؤشر الثاني هو فشل أدوات الضغط الأميركية. فرغم فرض رسوم جمركية تراوحت بين 10% و25% على ثماني دول أوروبية، والتهديد برفعها إلى 100%، لم تُبدِ أوروبا أي استعداد للتراجع، بل ألغت اتفاقيات تجارية، ولوحت بإجراءات انتقامية، ما يعني أن سلاح الرسوم لم يعد كافياً لإخضاع القارة كما في السابق.

أما المؤشر الثالث، فيتعلق بالدور الدولي المتغير. روسيا اختارت عدم التدخل، مكتفية بإعلان أن "غرينلاند ليست من شأنها"، وهو موقف يترك واشنطن في عزلة أطلسية بدل أن يمنحها غطاءً استراتيجياً. في المقابل، فتح ماكرون الباب صراحة أمام الاستثمارات الصينية المباشرة في أوروبا، في إشارة إلى استعداد أوروبي لكسر الاحتكار الأميركي للشراكات الاستراتيجية.

ولذلك غاب الإجماع داخل المؤسسات الأميركية، وهذا ما يزيد المشهد تعقيداً، حيث ترى دوائر في الكونغرس والبنتاغون أن التصعيد ضد أوروبا يهدد الناتو أكثر مما يخدم الأمن الأميركي. ويخلق فراغاً تملؤه الصين وروسيا. فالصين لا تحتاج إلى إعلان موقف صدامي حيث أن أي تصعيد أميركي سيدفع أوروبا تلقائياً لتعميق الشراكة مع بكين، سواء في الطاقة أو البنية التحتية أو التكنولوجيا، وهو ما يقلل فاعلية الضغط الأميركي

إلى جانب ذلك، تبرز معوقات بنيوية لا تقل أهمية. فغرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع داخل مملكة الدنمارك، وأي تغيير في وضعها السيادي يتطلب موافقات محلية ودستورية معقدة، ما يجعل الشراء غير قابل للتنفيذ قانونياً. كما أن المواقف السياسية داخل غرينلاند نفسها تؤكد رفض تحويل الجزيرة إلى سلعة أو قاعدة نفوذ خارجي، وهو ما يسحب أي غطاء أخلاقي عن الصفقة.

وفي هذا السياق، قال السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق: في تصريحات خاصة ل" النهار" :"واقع الأمر أن ترامب جاء إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، وفى خلفيات تفكيره وتوجهاته كان ناقمًا ومنتقمًا من الرئيس السابق بايدن وحزبه الديمقراطي. وربما الأهم، أنه حمل معه رؤية جديدة تنطلق من أن النظام القائم حاليًا في العالم أحادي القطبية، وأنه يسعى لإجهاض محاولات التعددية القطبية، خاصة في مواجهة الصين. ويتصرف في هذا الصدد وفق ما يسمى بـ"غطرسة القوة"، بتقديره أن الولايات المتحدة هي القوة الأعظم عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا."

وعن كيفية نظر ترامب إلى الأمن والدور الأميركي في العالم، يوضح السفير: "محور رؤية ترامب لتحقيق هذا التوجه يقوم على مبدأ "أمريكا أولاً"، معتبرًا أن الأمن سلعة قابلة للبيع والشراء، كما طبق ذلك مع دول الخليج وحلف الناتو، ويمتد هذا المبدأ إلي سيادة الدول. ويعتبر أن أي عنصر أو هدف تحتاجه الولايات المتحدة يمكن اللجوء فيه إلى القوة المسلحة أو التهديد بها عند الضرورة، كما استخدم الرسوم الجمركية كسلاح لأغراض سياسية واقتصادية."

وفيما يتعلق بجرينلاند، أضاف السفير: "في إطار هذه الرؤية جاء مطلب ترامب للحصول علي جرينلاند إما بمقابل، أو بالقوة، مع استخدام الرسوم الجمركية كسلاح سياسي واقتصادي، وقد أثارت هذه الرؤية والتوجه المصاحب لها غضبًا واستياء، بل ورفضًا من العديد من الدول الأوروبية، ربما باستثناء دولة واحدة، نظرًا لأن هذه الرؤية تنتهك بشكل صارخ سيادة الدولة وسلامة ووحدة أراضيها، وهو مبدأ أساسي مستقر في النظام الدولي وكافة القوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية. بل إن هذه الرؤية بشكل عام تهدد المنظومة الدولية، خاصة وأن ترامب انسحب من نحو 62 دولة، منها أكثر من 30 دولة من منظومة الأمم المتحدة."

وعندما تطرقنا إلي إمكانية تراجع أوروبا تحت الضغط الأميركي، يرى السفير أن "الدول الأوروبية وحلف الناتو يتبنون على الأرجح موقفًا ممتعضًا ومعارضًا لهذه التوجهات، بما في ذلك مسألة جرينلاند، وبدأت تظهر بوادر للتوجه نحو استقلالية أكبر أمنياً واقتصادياً عن التحالف الغربي مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤدي إلى مواجهات سياسية."

وبسؤاله عن إمكانية وجود حل محتمل لأزمة جرينلاند، يشير السفير حليمة:أن "الحديث يدور عن حل وسط محتمل بأن يكون للولايات المتحدة تواجد سياسي محدود في منطقة من الجزيرة لأسباب أمنية يزعمها ترامب، لردع محاولات الصين وروسيا للتواجد فيها، خصوصًا وأن غرينلاند تتمتع بثروات معدنية ضخمة، بما فيها النادرة، وهي الهدف الفعلي وراء اهتمام ترامب بالجزيرة."

كما أن قبول بيع غرينلاند يفتح الباب لسابقة خطيرة: تغيير الحدود والنفوذ داخل الغرب نفسه عبر الضغط الاقتصادي. هذا خط أحمر أوروبي، لأنه يهدد تماسك الاتحاد الأوروبي ووضعه القانوني.

في هذا السياق، تبدو تصريحات ترامب حول عدم استخدام القوة واعتبار الضم ضرورة أمنية محاولة لخفض سقف التوقعات، أكثر منها تمهيداً لصفقة قابلة للحياة.

خلاصة المشهد أن فشل صفقة جرينلاند لن يكون حدثاً معزولاً، بل نقطة تحوّل تؤسس لنظام عالمي أكثر تعددية، تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على فرض الإملاءات، مقابل صعود أدوار أوروبية مستقلة، وانفتاح أوسع على الصين، مع بقاء روسيا لاعباً يراقب ويستفيد من تصدّع المعسكر الغربي.

موضوعات متعلقة