النهار
الإثنين 19 يناير 2026 01:44 مـ 30 رجب 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

عربي ودولي

مدير مجمع الشفاء: انتشار واسع لفيروس غامض يسبب وفيات يومية في غزة

الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة
الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة

أكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، أن القطاع يمر بأقسى أوضاع صحية وإنسانية منذ بدء حرب الإبادة الجماعية المتواصلة منذ أكثر من عامين، في ظل انتشار واسع لفيروس غامض يضرب كل بيت فلسطيني تقريبًا دون استثناء. المشهد، وفق توصيفه، لم يعد أزمة صحية عابرة، بل حالة انهيار شامل تطال الإنسان في جسده وقدرته على الصمود.

وأوضح أبو سلمية، في تصريحات إذاعية، أن ما يزيد من خطورة الوضع هو العجز الكامل للطواقم الطبية عن تشخيص طبيعة الفيروس المنتشر، وسط نقص حاد في التحاليل المخبرية والمعدات الطبية الأساسية. هذا العجز القسري، الناتج مباشرة عن الحصار ومنع إدخال المستلزمات، يجعل الأطباء يعملون في الظلام، بلا أدوات ولا إجابات، بينما يتفاقم الألم في أجساد المرضى.

فيروس بلا تشخيص

وأشار مدير مجمع الشفاء إلى أن الأطباء غير قادرين على الجزم بماهية الفيروس، سواء كان سلالة متحورة من فيروس كورونا أو نوعًا حادًا وغير مألوف من الإنفلونزا الموسمية، في ظل انعدام الإمكانيات اللازمة للفحص والتأكيد. هذا الغموض لا يقتصر على التشخيص الطبي، بل يضاعف من حالة القلق والرعب داخل الأسر، التي تجد نفسها عاجزة عن حماية أطفالها أو حتى فهم ما يهاجم أجسادهم.

وأضاف أن شراسة الفيروس غير مسبوقة، إذ تمتد فترة الإصابة به إلى نحو أسبوعين، بدلًا من أسبوع واحد كما هو شائع في الفيروسات التنفسية المعروفة، ما ينهك المصابين جسديًا ونفسيًا، ويزيد من الضغط على المنظومة الصحية المنهكة أصلًا.

أعراض مدمّرة

وبيّن أبو سلمية أن أعراض الإصابة قاسية ومتعددة، تبدأ بارتفاع حاد في درجات الحرارة، وآلام مبرحة في المفاصل، وصداع شديد، وتتطور إلى قيء وإسهال حادين، وصولًا إلى التهابات رئوية خطيرة تهدد الحياة. هذه الأعراض، في بيئة تعاني من الجوع ونقص المياه النظيفة وانعدام الأدوية، تتحول إلى حكم قاسٍ على الفئات الأضعف.

وأشار إلى أن المستشفيات تستقبل يوميًا أعدادًا كبيرة من المرضى، في مشهد يفوق قدرتها الاستيعابية، بينما تعمل الطواقم الطبية بأدوات محدودة، وفي ظروف إنسانية قاسية، وسط انقطاع الكهرباء وشح الوقود واستهداف متكرر للبنية الصحية.

وفيات بلا تمييز

وكشف مدير مجمع الشفاء أن هذه الموجة المرضية تسببت في تسجيل وفيات يومية، لم تعد تقتصر على كبار السن أو أصحاب الأمراض المزمنة، بل طالت شبانًا ونساءً حوامل وأطفالًا، في مؤشر بالغ الخطورة على اتساع رقعة الكارثة. ولفت إلى حالات مؤلمة بعينها، من بينها وفاة طبيب، ووفاة فتاة تبلغ من العمر 18 عامًا، بعد تدهور حالتها جراء مضاعفات الإصابة.

هذه الوفيات، وفق توصيفه، ليست أرقامًا طبية باردة، بل قصص بشرية موجعة لعائلات فقدت أبناءها في صمت، دون دواء أو تشخيص أو حتى فرصة حقيقية للعلاج.

مجاعة وانهيار مناعة

وشدد أبو سلمية على أن التدهور الحاد في المناعة العامة لدى سكان غزة، نتيجة حرب المجاعة الممنهجة، لعب دورًا مركزيًا في تفاقم خطورة الفيروس. فالأجساد التي أنهكها الجوع وسوء التغذية لم تعد قادرة على مقاومة أبسط الأمراض، فكيف بفيروس شرس مجهول الهوية.

وأضاف أن سوء الأحوال الجوية، والعيش في خيام مهترئة لا تقي من البرد ولا من الرطوبة، ساهم بشكل مباشر في تفشي الأمراض، خاصة بين الأطفال وكبار السن، في ظل غياب أدنى مقومات الحياة الكريمة.

حصار اللقاحات والدواء

وأشار مدير مجمع الشفاء إلى أن الاحتلال يواصل منذ نوفمبر من العام الماضي منع إدخال اللقاحات إلى قطاع غزة، إلى جانب حرمان المستشفيات من الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما جعل المنظومة الصحية المتهالكة تقف عاجزة تمامًا أمام التدفق الهائل للمرضى على أقسام الطوارئ.

وحذّر من أن استمرار الحصار والعدوان، دون تدخل دولي حقيقي لوقف الجريمة وضمان دخول الدواء واللقاح، ينذر بانفجار كارثة صحية أعمق، لن تقتصر آثارها على غزة وحدها، بل ستبقى وصمة أخلاقية وإنسانية في سجل الصمت الدولي.

موضوعات متعلقة