“أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم”.. كتاب يفتح كواليس الإبداع ويحوّل الكتابة إلى سيرة حياة
صدر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية كتاب «أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم» للشاعرة والمترجمة الدكتورة سارة حواس، في عمل معرفي وفكري يتوغّل في أعماق فعل الكتابة، لا بوصفه تقنية أو حرفة، بل باعتباره تجربة وجودية، ومسارًا إنسانيًا مركّبًا يتقاطع فيه الشغف والقلق والبحث عن المعنى. ويقع الكتاب في 328 صفحة من القطع المتوسط، ويُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في مجال الكتابة الإبداعية ونظرياتها الحيّة.

تنطلق الدكتورة سارة حواس في مقدمة الكتاب من اعتراف شخصي كثيف الدلالة، تؤكد فيه أن الكتابة بالنسبة لها ليست ممارسة عابرة، بل فعل حب ونجاة، وهوس جميل يلازمها قارئةً وكاتبةً ومترجمة. فهي لا تكتفي بقراءة النصوص الأدبية من زاوية موضوعاتها وأفكارها، بل تنشغل بتتبع نبض اللغة، وتدفّق الجملة، وبصمة الروح التي يتركها الكاتب في نصه، وصولًا إلى ما هو أعمق: ما وراء كواليس الكتابة نفسها، من لحظة البدء، إلى مصادر الإلهام، وطقوس الكتابة، وأماكنها، ومخاوفها، وعثراتها الأولى.

ومن هذا الشغف تحديدًا، وُلدت فكرة الكتاب، حيث قامت المؤلفة بترجمة واختيار نصوص متنوعة تتناول “عملية الكتابة” لدى عدد من كبار كُتّاب العالم، ممن تركوا أثرًا بالغًا في الوعي الأدبي العالمي، وكان لهم حضور مؤثر لدى القارئ العربي. وتوضح حواس أن معيارها في الاختيار لم يكن الجوائز وحدها، رغم أن بعض الأسماء نالت نوبل في الآداب أو جائزة البوكر وغيرها، بل كان الرهان الحقيقي على قوة التأثير الثقافي والفكري لهؤلاء الكُتّاب في تشكيل ذائقة المتلقي العربي.
ويتميّز الكتاب بتنوّع جغرافي وثقافي لافت، إذ يضم شهادات ونصوصًا لكاتبات وكُتّاب من قارات متعددة، من أمريكا الشمالية والجنوبية، إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا، بما يتيح للقارئ العربي الاطلاع على مدارس أدبية وتجارب إنسانية مختلفة، تكشف كيف تتبدّى الكتابة في سياقات حضارية واجتماعية متباينة، مع احتفاظها بجوهرها الإنساني المشترك.

ويضم الكتاب نصوصًا لكوكبة من أبرز الأسماء الأدبية العالمية، من بينهم: جوليان بارنز، إيزابيل الليندي، توني موريسون، أورهان باموق، بيتر هاندكه، أليس مونرو، أرونداتي روي، دوريس ليسنج، ماريو فارجاس يوسا، جابرييل جارثيا ماركيز، ويليام فوكنر، إدواردو جاليانو، آني إرنو، عبد الرزاق قرنح، بول أوستر، جونتر جراس، وجوزيه ساراماجو. سبعة عشر صوتًا إبداعيًا، لكل منها نبرته الخاصة، وطقسه، وقلقه، وطريقته الفريدة في الاقتراب من الصفحة البيضاء.
ولا يقدّم الكتاب هذه النصوص بوصفها ترجمات تقليدية، بل تؤكد سارة حواس أنها اشتغلت على مصادر متعددة لكل كاتب، فكانت تنتقي مقاطع من حوارات، وشهادات، ومقالات، وتعيد تركيبها بعناية، لتخلق “كتابة جديدة عن الكتابة”، تترك النصوص تتجاور وتتفاعل بعفوية، كأنها كائن حي من لحم ودم، لا يشعر القارئ فيه بتدخّل المترجم، بل بحضور التجربة ذاتها.
وترى المؤلفة أن هذا الكتاب ليس مشروعًا منجزًا ومغلقًا، بل هو بداية لسلسلة ترجمية تنشغل بعملية الكتابة، على غرار مشروعها السابق في ترجمة الشعر الأمريكي، في محاولة مستمرة لمدّ الجسور بين التجارب الإبداعية العالمية والقارئ العربي.
وفي تقديمه للكتاب، يصف الشاعر أحمد الشهاوي العمل بأنه إنجاز معرفي نادر، مؤكدًا أن سارة حواس لا تكدّس الكتب، بل تسعى في كل مرة إلى إضافة مختلفة، سواء إلى تجربتها الشخصية أو إلى وعي القارئ. ويرى أن الكتاب ليس مجرد تجميع لشهادات، بل حوار واسع وعميق مع أسرار الكتابة، ومع المصير الإنساني للكاتب، حيث تتحول الشهادات إلى ما يشبه الوصايا والاعترافات، التي لا يسمعها إلا من يعرف أن الكتابة قدر قبل أن تكون فعلًا.
ويخلص الشهاوي إلى أن القارئ لن يخرج من هذا الكتاب كما دخله؛ إذ سيجد نفسه محاطًا بأسئلة جديدة، وربما بطمأنينة غامضة، وربما بخوف جميل، لأن الكتابة – كما يكشف هذا العمل – ليست طريقًا ممهدًا، بل مغامرة دائمة في المجهول.
بهذا المعنى، لا يقدّم «أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم» وصفات جاهزة أو وصايا تقنية، بل يقدّم روح التجربة، وملحها، ودمها، ويترك الباب مفتوحًا أمام كل من يريد أن يقترب من عالم الكتابة، لا بوصفها فنًا فحسب، بل بوصفها حياة كاملة، وقدرًا لا فكاك منه.


.jpg)

.png)

















.jpg)
.jpeg)


