النهار
الجمعة 16 يناير 2026 01:34 صـ 26 رجب 1447 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

ثقافة

«تغريبة الدودوك».. حين تتحول الذاكرة الأرمنية إلى ملحمة إنسانية عابرة للأجيال

راوية "تغريبة الدودوك" للكاتبة الدكتورة علا عبدالمنعم
راوية "تغريبة الدودوك" للكاتبة الدكتورة علا عبدالمنعم

لم يشكّل عمل الدكتورة علا عبد المنعم في مجال الصيدلة عائقًا أمام انحيازها المبكر للأدب، بل بدا وكأنه امتداد آخر لشغفها بالإنسان، لا بوصفه جسدًا فقط، بل كيانًا محمّلًا بالذاكرة والأسئلة والوجع. في روايتها «تغريبة الدودوك»، تقدم الكاتبة سردية مختلفة عن المألوف في الكتابة الأدبية المعاصرة، سردية تنحاز إلى التأسيس التاريخي للأحداث، دون أن تنفصل عن الواقع الإنساني الحي، وتغوص في تفاصيله الدقيقة.

علا عبدالمنعم

تتسم تجربة علا عبد المنعم الروائية بحس بصري لافت؛ فهي لا تكتفي بسرد الحكايات، بل ترسم الشخصيات والأمكنة كما يفعل الرسام، بعناية في الخطوط والظلال والمسافات. القارئ هنا لا يقرأ فقط، بل يرى، ويشارك، ويعيش داخل المشهد، كأن الرواية شاشة مفتوحة على زمن ممتد وذاكرة لا تهدأ.

تغريبة الدودوك

عن الرواية، تنطلق الحكاية من سيرة عائلة جاءت إلى مصر في بدايات القرن العشرين، هربًا من مذابح الأرمن. رحلة قسرية بدأت بالخوف، وانتهت بمحاولة النجاة. وحين هاجم الكاتبة ذلك «الغيم الأبيض» – كثافة الذاكرة ووطأتها – لم تجد بدًا من الحكي: عن العائلة، عن الجذور التي اقتُلعت من طين أرضها الأولى، وأُجبرت على الرحيل في محاولة لمحوها والقضاء عليها، فإذا بالسرد يعيد خلقها من جديد. من الموت تولد الحياة، ومن الفقد تنبت الجذور في أرض جديدة، تتجدد، وتكبر، وتتفرع، ويمتد ظلها رغم كل ما مرّ بها.

سوق العايقة

«تغريبة الدودوك» هي حكاية أربعة أجيال، تمتد على مدار مائة عام، تحمل سيرة عائلة توارثت الألم وشجنه أينما ذهبت وارتحلت. قصة لم يكن لها أن تبدأ لولا الخروج من الوطن، ولم يكن لها أن تُروى لولا قرار أصحابها مواجهة الماضي والبوح بكل ما كان: بما لهم وما عليهم، دون مواربة أو تجميل. إنها رواية عن الذاكرة بوصفها عبئًا وضرورة في آن واحد، وعن البوح كفعل خلاص.

وفي هذا الحوار حول الرواية الجديدة، تضع الكاتبة عملها في إطاره الفكري والفني:

تغريبة الدودوك علا عبدالمنعم

هل تنتمي الرواية إلى السياق المعاصر أم التاريخي؟
تؤكد الكاتبة أن «تغريبة الدودوك» تنتمي إلى ما يُعرف بروايات الأجيال، إذ تمتد أحداثها من عام 1915 حتى عام 2011، وهو ما يجعلها تجمع بين البعدين التاريخي والمعاصر. فالتاريخ في الرواية ليس مجرد خلفية، بل قوة فاعلة تؤثر في مصائر الشخصيات وتشكّل حاضرهم.

لماذا اختارت الأرمن موضوعًا للرواية؟
توضح أنها كانت معنية بمناقشة فكرة الجذور: مدى قدرة الإنسان على التكيف داخل بيئة مغايرة تمامًا لبيئة نشأته، وقدرة الجذور التي اقتُلعت قسرًا من تربتها الأصلية على الامتداد والتشعب والحياة في مكان جديد. وجدت في التجربة الأرمنية نموذجًا إنسانيًا ثريًا يمكن البناء عليه، ومناقشة مسألة الاندماج وبناء وطن بديل دون فقدان الذاكرة.

هل يشكّل السياق التاريخي لمذابح الأرمن جزءًا أساسيًا من الرواية؟
نعم، تؤكد الكاتبة أن الرواية تستعرض ما حدث للأرمن، وبخاصة الفصيل الذي جاء إلى مصر، مع تناول ما تعرضوا له في بلادهم بشيء من التفصيل، باعتباره عنصرًا جوهريًا في تشكيل الوعي الجمعي والشخصي لأبطال العمل.

هل تسبب هذا الطرح في أية مشكلات؟ وما توقعاتها للمستقبل؟
ترى الكاتبة أن العالم، أو غالبيته، اعترف بما تعرض له الأرمن من مذابح، باستثناء الجانب التركي، ولذلك لم تواجه الرواية حتى الآن أية مشكلات تُذكر. أما ما قد يحمله المستقبل، فيظل أمرًا مفتوحًا على الاحتمالات، لكنها لا تكتب وهي أسيرة التخوف، بل وفية للحقيقة الإنسانية والسردية.

البطلة أنثى… كيف حضرت الأدوار الذكورية في الرواية؟
تؤكد أن الراوية أنثى بالفعل، لكن الأدوار الذكورية في الرواية يغلب عليها الطابع الإيجابي، مع وجود نماذج سلبية بطبيعة الحال. فالرواية لا تقدم عالمًا مثاليًا، بل تعكس مجتمعًا حقيقيًا لا يخلو من التناقضات، سواء لدى النساء أو الرجال.

في المجمل، تأتي «تغريبة الدودوك» بوصفها رواية عن المنفى والهوية والذاكرة، وعن قدرة الإنسان على تحويل المأساة إلى سرد، والسرد إلى حياة جديدة. عمل يفتح التاريخ على الحاضر، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى: من نحن حين نُقتلع؟ وكيف نعيد تعريف الوطن حين نصبح غرباء؟

موضوعات متعلقة