قدسية الأرض وصراع العقيدة.. قراءة نقدية في رسالة ابو عبيدة «الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام»
تناولت رسالة الماجستير المعنونة «الأرض المقدسة بين اليهودية والنصرانية والإسلام» للباحث حذيفة سمير الكحلوت، والمقدمة في تخصص العقيدة والمذاهب المعاصرة بالجامعة الإسلامية في غزة عام 2013، دراسة تحليلية معمقة لجذور الصراع على الأرض المقدسة من منظور ديني عقائدي، باعتبارها محورًا مشتركًا بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، وساحةً لصراع ممتد عبر التاريخ الإنساني.

تنطلق الرسالة من فرضية أساسية مفادها أن أرض الإسراء والمعراج تعرضت عبر التاريخ لسلسلة من حالات الاستباحة، كان آخرها الاستباحة الصهيونية المعاصرة التي تستند – وفق رؤية الباحث – إلى شعارات دينية ذات توظيف سياسي. ويؤكد الباحث أن تمسك المسلمين بهذه الأرض ليس تمسكًا ثوريًا أو قوميًّا فحسب، بل هو تمسك عقائدي راسخ، نابع من النص الديني ذاته، وأن الصراع القائم اليوم هو في جوهره صراع بين الحق والباطل، ميدانه الدين وإن توارى خلف تسميات سياسية حديثة.
ويعرض الباحث دوافع اختياره للموضوع، والتي حددها في ثلاثة أسباب رئيسية:
أولها، السعي إلى فهم خفايا المعتقد اليهودي وبعض الطوائف النصرانية، وبالأخص الإنجيليين الأصوليين والصهاينة المسيحيين في الغرب.
وثانيها، محاولة تفسير ظاهرة الدعم الغربي المسيحي غير المشروط للمشروع الصهيوني.
أما السبب الثالث، فيتمثل في التأصيل العقائدي لحق الفلسطينيين في الأرض، بعيدًا عن الخطابات السياسية الآنية.
بدأت الرسالة بفصل تمهيدي قُسم إلى مبحثين؛ تناول المبحث الأول مفهوم القداسة والبركة في الديانات الإبراهيمية من حيث اللغة والاصطلاح، مع تقديم تعريف موجز باليهودية والنصرانية والإسلام. أما المبحث الثاني فركز على مفهوم القداسة المكانية في هذه الأديان، وأثرها في تشكيل السلوك الفردي والجماعي، وانعكاس ذلك على الواقع التاريخي والسياسي.
وفي الفصل الأول، ناقش الباحث مصادر الأيديولوجيا اليهودية والظروف الموضوعية التي نشأت فيها، مع تحليل نقدي لهذه المصادر. كما تناول عقيدة اليهود في الأرض المقدسة من حيث مفهوم القداسة في التراث والعقيدة اليهودية، وحدود جغرافيا الأرض المقدسة في نصوصهم، وكيف جرى تأصيل ذلك فيما يسمى بـ«الحق التاريخي اليهودي»، مع إبراز الخلافات الطائفية اليهودية حول هذا المفهوم. وتطرق الفصل كذلك إلى تعريف الصهيونية، وجذورها الفكرية، وعلاقتها المباشرة بعقيدة الأرض، إلى جانب مناقشة التأصيل الديني للمجازر، وفكرة الفصل العنصري في العقيدة اليهودية، ومحاولات تهويد القدس، والسعي لإقامة هيكل سليمان، ومفهوم المسيح في اليهودية.

أما الفصل الثاني، فقد خُصص لدراسة عقيدة النصارى في الأرض المقدسة، من خلال تحليل مصادر الفكر النصراني، والظروف التاريخية التي تشكلت فيها، مع مناقشة نقدية لتلك المصادر. كما تناول مفهوم القداسة في العقيدة النصرانية، وفكرة «الحق النصراني التاريخي» في الأرض المقدسة، مع بيان تباين مواقف الطوائف المسيحية حيال هذا الأمر. وامتد التحليل ليشمل البعد السياسي، من خلال دراسة الحروب الصليبية، ودور الصهيونية المسيحية، وأشكال الدعم الغربي المعاصر للمزاعم اليهودية بشأن أحقية الأرض.
وفي الفصل الثالث، تناول الباحث مصادر العقيدة الإسلامية المتعلقة بالأرض المقدسة، من حيث النصوص الشرعية والتاريخية، موضحًا مفهوم القداسة في الإسلام، ومكانة الأرض المقدسة، وما ورد بشأنها في ملاحم آخر الزمان. كما استعرض الموضوع تاريخيًا منذ الفتح الإسلامي للأرض المقدسة، مؤكدًا على فكرة وقفية الأرض، ووجود الجهاد كوسيلة لاستردادها، مع بيان موقف الإسلام الحازم من التفريط فيها.
وأشار الباحث في أحد استنتاجاته إلى أن «معظم مراحل حكم النصارى لفلسطين كانت بسلطة علوية خارجية» (ص 67)، مؤكدًا أن الاعتقاد بالقداسة يوثق العلاقة بين الإنسان والأرض، وأن هذا الارتباط لا يقتصر على مكة المكرمة، بل يشمل سائر الأماكن المقدسة في الإسلام، حيث يستند التقديس إلى نص إلهي منزل، وليس إلى ادعاءات تاريخية أو عرقية. ويرى أن الصهاينة يحاولون إضفاء قداسة مزعومة على أرض فلسطين عبر توظيف العقيدة اليهودية لخدمة مشروع سياسي متكامل الأبعاد.
ويخلص الباحث إلى أن مسألة الارتباط بالأرض وتقديسها هي عملية واقعية تُمارس من داخل العقيدة اليهودية لإضافة ارتباط مصطنع يخدم أهدافًا سياسية ونفسية واجتماعية للصهيونية. كما اعتمدت الرسالة على مصادر الفكر اليهودي في أربعة أقسام رئيسية: التوراة، والتلمود، وفتاوى الحاخامات، وبروتوكولات حكماء صهيون.
ويؤكد الباحث أن ما يسمى بـ«مملكة إسرائيل» لم تكن في أي مرحلة تاريخية كيانًا إسرائيليًا خالصًا، لا من حيث العرق ولا الثقافة ولا الدين. كما يرى أن النص الديني اليهودي لا يصلح لتأصيل حق اليهود في الأرض، لعدة أسباب، من بينها ضياع النسخة الأولى من التوراة، وحالات الردة والكفر التي مر بها بنو إسرائيل، وتاريخ الغزو والنهب، والإقرار بأن النص الحالي كُتب على يد عزرا الكاتب، فضلًا عن وقوع النص تحت سلطة الحاخامات، ما جعله أكثر عرضة للتحريف والتصحيف، مع تعدد النسخ والترجمات واختلافها.
وتنتهي الرسالة إلى خلاصة مفادها أن التوراة لا تنال قدسيتها – بحسب رؤية الباحث – إلا من خلال المخيلة اليهودية ذاتها، رغم ما شهدته عبر التاريخ من تبديل وتحريف. ويرى الباحث بشكل عام أن الصراع على أرض فلسطين هو في جوهره صراع ديني عقائدي بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، حتى وإن تخفى خلف مسميات سياسية حديثة، محذرًا من أن تجاهل الخلفية الدينية لهذا الصراع يقود في النهاية إلى التفريط في الأرض والمقدسات.
ويُسجل على الرسالة اعتمادها الكامل على المراجع العربية دون الاستعانة بأي مصادر أجنبية، وهو ما جعلها أقرب إلى مرجعية قراءات تحليلية منها إلى دراسة متعددة المصادر، الأمر الذي أضعف – نسبيًا – ثراء العمل البحثي، وحدّ من تنوع زوايا النظر، خصوصًا في ما يتعلق بالتأصيل السياسي للبعد الديني في قضية قدسية الأرض.


.jpg)

.png)













.jpeg)


.jpg)



