«كتاب تحت الحصار».. حين تُلاحق الرواية الفلسطينية لأن العالم لا يريد أن يصحو
صدر كتاب «عندما ينام العالم.. قصص وكلمات وجراح فلسطين» بقلم فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، في عملٍ أدبي–حقوقي يجمع بين الشهادة الإنسانية والتحليل الأخلاقي، مترجمًا إلى الإنجليزية على يد غريغوري كونتي. الكتاب لا يقدّم سردًا تقليديًا، بل ينحاز بوضوح إلى الإنسان، ويجعل من القصص الفردية بوابة لفهم مأساة شعبٍ بأكمله.

تُعدّ ألبانيز أول امرأة تشغل هذا المنصب الأممي الحساس، وقد استطاعت من خلاله أن تتحول إلى أحد أكثر الأصوات جرأة في مواجهة السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، خصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاها من حرب مدمّرة. صوتها القانوني لم يكتفِ بلغة التقارير، بل خرج إلى المجال العام كاتهام أخلاقي مباشر لما وصفته بإبادة جماعية تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم.

في كتابها، تعود ألبانيز إلى سنوات إقامتها في القدس، وتستعرض رحلتها الشخصية والمهنية في فهم القضية الفلسطينية، من خلال عشر حكايات إنسانية تركت أثرًا عميقًا في وعيها. قصص تبدأ بطفلة مثل هند رجب، التي قُتلت بنيران القوات الإسرائيلية، ولا تنتهي عند مثقفين ومفكرين يهود لعبوا دورًا محوريًا في تشكيل رؤيتها النقدية، مؤكدة أن الصراع ليس دينيًا بقدر ما هو صراع على العدالة والإنسانية.
«عندما ينام العالم» ليس كتاب تعاطف عاطفي فحسب، بل شهادة اتهام مفتوحة. يطرح أسئلة ثقيلة بلا مواربة: ماذا يعني الاحتلال في حياة الناس اليومية؟ أين يذهب اللاجئ حين يُغلق عليه العالم أبوابه؟ كيف يعيش الفلسطيني بين الحصار والخوف والمحو البطيء؟ وهل يمكن، مع اقتراب نهاية الحرب، الحديث بجدية عن دولة فلسطينية وحق تقرير مصير حقيقي، وحياة طبيعية بلا هيمنة أو قهر؟
لكن الكتاب، منذ صدوره، لم يسلم من الهجوم. فقد أعلن مارك جولد فيدر، مدير المركز الوطني للدفاع عن اليهود، عبر منصة «إكس» أنه تم توجيه إخطار إلى أمازون وغيرها بزعم وجود انتهاكات محتملة للعقوبات الفيدرالية تتعلق بالكتاب، معتبرًا أن أي تعامل مالي مع مؤلفين مُصنّفين قد يكون محظورًا قانونيًا.

ردّ ألبانيز جاء ساخرًا ومباشرًا، إذ علّقت بأن ما يحدث ليس سوى «إعلانات مجانية إضافية»، موجهة شكرها –بتهكم واضح– إلى المؤيدين لإسرائيل. تعليقها كشف عن قناعة راسخة بأن الهجوم على الكتاب ليس قانونيًا بقدر ما هو سياسي، ومحاولة لإسكات رواية مزعجة.

وفي السياق ذاته، علّق الصحفي البريطاني–الأمريكي مهدي حسن بأن الجماعات المؤيدة لإسرائيل ورئيس وزرائها لا تكتفي بالدفاع عن السياسات، بل تسعى صراحة إلى حظر الكتب، في إشارة إلى خوفٍ متزايد من الكلمة حين تصبح أكثر تأثيرًا من السلاح.

هكذا يتحول «عندما ينام العالم» من كتاب إلى معركة: معركة على السرد، وعلى الحق في الحكي، وعلى سؤالٍ جوهريّ لا يزال مطروحًا بإلحاح: هل يصحو العالم يومًا قبل أن يُمحى ما تبقى من فلسطين؟


.jpg)

.png)













.jpeg)


.jpg)



