مغامرة داخل العالم السرى تكشف 42 وكرا لتجارة المخدرات على البحيرات والشواطئ
اختفت ضحكات "عم محمد" وقفشات "الست امينة".. القاطنين فى القناطر الخيرية .. يعيشان حزنا دفينا ينحت ملامحهما الصابرة الكادحة .."عم محمد " الصياد العجوز قال لى "انا ههجر البحر خلاص"!
البحر الذى يقصده "عم محمد" هو النيل كما يطلق عليه الصيادون وكنا كثيرا ما نسمعه يقول انه مثل اسماكه لو تركه فى يوم من الايام سيموت ..انهار الصياد العجوز يحكى عن اساطير شاطئ الجحيم التى حولت حياته وحياة صيادى النهر وفلاحى البر لجهنم ..
حذرنى الجميع من مجرد التفكير فى الذهاب الى هذا الشاطئ سواء كانوا من اهالى المدن او القرى المحيطة قائلين ان الذهاب اليه معناه ان ادخل بخاطرى وقدمى جهنم فأى غريب لايستطيع التواجد هناك لأكثر من ساعتين دون سبب وجيه!
التجول فى زمام شاطئ الجحيم مثلما يطلق عليه اهالى القرى الممتد بطول محافظات الوجه البحرى والتى تصطف على ضفتيه يحتاج الى حجة قوية ومبرر حاسم فقد يصدر ضد الغريب حكم بالاعدام فى اى لحظة قطعا للشك باليقين الذى سيؤجج صدور لغتها الوحيدة هى الرصاص خوفا من ان يكون مرشدا يدبر لهم مكيدة توقعهم فى كمين للشرطة او ممن يفضح امرهم للرأى العام.
بحر المخدرات
لم يكن أمامى مفر من القيام بالرحلة بعد ان اشتعلت بداخلى معركة محيرة بين الاقدام من اجل اداء الواجب وكشف فساد فى المجتمع وخطر محدق بأمن واقتصاد الوطن وبين الإحجام والتقاعس والخوف من المخاطر التى قد تواجهنى ان افتضح الامر، اعتبرت رحلتى وكشفى للمستور فى شواطئ فرع دمياط ومياهه والتى يسير على شاكلتها جزء كبير من مياه وشواطئ توأمه فرع رشيد مهمة غير مضمونة العواقب ولكن ما كان يحفزنى ويدفعنى للأمام انها محمودة المقصد.
فى اولى ليالى المغامرة التى استمرت لاسبوعين كاملين كانت تراودنى الهواجس المرعبة وكنت اهرب من خيالاتى المنذرة بالشؤم بالنوم لتطاردنى فيه الكوابيس التى نجحت فى احتلال فراشى لتعتقلنى وتسلمنى اسيرة للقلق فى ليلة طويلة.
كل نصف ساعة كنت اطمئن على اننى لم انس شيئا من ادواتى التى سأستطيع الدخول بها الى شاطئ قرية "ميت العطار" واقتحم حدودها البرية والمائية وهى القرية التى تقع فى نطاق محافظة القليوبية والتى منها سأستلم مفتاح التجول فى فرع دمياط كله وسأنال صك الحماية من المطاريد والخارجين على القانون والتى منها سأشق الطريق الى اشهر 42 وكراً من اكبر الاوكار المسلحة لتجارة المخدرات والتى ظهرت عقب الثورة مستغلة غياب الامن.
الطريق الى جهنم
كان نجاح خطتى والتى رسمتها بدقة وبعد عناء طويل من التحضير مرهونا بالتزامن بالحرص الشديد، وصلت الى "ميت العطار" وكانت القرية فى ذروة وضجيجها .. حملت سلتى ونزلت لاجد فى انتظارى "عم محمد" والواقع انه لم يكن يعلم انه بالنسبة لى سيمثل المرشد السرى ولو كنت عرضت عليه اموال قارون ليلعب ذلك الدور ما كان ليرضى خوفا على نفسه وعائلته من "شياطين البحر" مثلما يطلق عليهم والواقع ايضا اننى استغللت طيبة الصياد العجوز وعطف زوجته للدخول الى قلب الشاطئ تنفيذا لمهمتى لاننى لم اكن اثق فى اى شخص اخر غيره.
ركبت معه سيارة نصف نقل تستخدم كوسيله للنقل العام ومضينا فى طريق شبيه بالزقاق .. كانت الارض رملية فى البداية وسرعان ما تحولت الى طينية لنسير بقرب الشاطئ او "البر" مثلما يسميه الصيادون .. طوال الطريق حكيت له عما سمعته فى سيارة الاجرة فلم اجد مدخلا مناسبا للخوض فى هذا الموضوع دون ان يتشكك مضيفى فى فضولى الزائد على الحد والذى رد ببرود بأن ما يحدث نتيجه حتميه !
كان رده صامتا وسرعان ما تلاشت دهشتى عندما قص تفصيليا كيف تم اغتيال فرع دمياط وازاح الستار عن مأساة اكثر من 20 صيادا على طول الفرع ليكشف عن كوارث اخرى لم تكن فى الحسبان وارتبطت كلها ببعضها لتؤثر فى النهاية على اقتصاد وأمن الوطن.
المشردون
بصوت حزين قال لي: منذ 7 سنوات ساهم نظام مبارك فى تشريد اكثر من 20 الف صياد واسرهم لصالح حيتان المزارع السمكية بحجة تطهير المجرى والذين كانوا يتوددون لرؤوس الفساد بالوزارة للاستيلاء على"الزريعة" والتى من المفترض ان تلقى بها وزارة الزراعه فى الفرع من فترة لاخرى لتؤدى دورها فى ازدهار الثروة السمكيه الطبيعيه وهو ما لا يحدث والغريب ان الصيادين يتم تحرير محاضر صيد وغرامات جزافية ضدهم مع انهم لا يصطادون اصلا ما يكفى قوتهم ولا يوجد مايخالفونه لان الفرع ببساطه اصبح خاليا الا من القليل اذا ما قورن بأطنان السمك التى كان يهديها الفرع الشرقى لصياديه قبل 7 سنوات.
كل الذمم الفاسده والايادى الخفيه تكاتفت لاغتيال اسماك النيل ولم يكن يسمع لاستغاثات الصيادين احد وبعد يأس الاحوال التى كانت يتدهور من سيئ لأسوأ بسرعة البرق اضطر القليل منهم لبيع نفسه للشيطان ليجد نفسه مجندا فى جيش ابليس وأحد خدم كبار تجار الصنف ليستخدموه كأداه رخيصة لتوزيع بضاعتهم المحرمة والمشبوهه .. هكذا تعلم الصياد كيف يحرق قاربه وينسى بركة الحلال ويتلذذ بالعيش الحرام وكيف يلقى بشباكه للفئران ويمسك بدلا منها بالسلاح.
اغتصاب النهر
توالت الهزائم النفسية والخسائر على الصيادين وبدلا من الخسارة المادية فقط اصبحت هناك خسائر فى الارواح ليظل الفرع عاجزا قعيدا عقيم الانتاج تاركا صياديه فريسة لليأس بشباك خاوية وقلوباً يملؤها الرعب فى ظل اختفاء القانون وسيادة شريعة الغاب وتجاهل رجال الامن للكارثه وكالعادة ضربت وزارة الزراعة بالصيادين عرض الحائط واعطتهم ظهرها واصرت فى فساد على عدم رمى الزريعه بانتظام واصرت وزارة الرى هى الاخرى على قتل صبر الصيادين بعمل محاضر فرض الغرامات على اشخاص تأكلهم البطاله وبالكاد يكفون قوت يومهم وشباكهم بريئة من رائحة السمك.
دولاب المخدرات
مع نهاية قصة "عم محمد" المؤسفة والحزينة ترجلنا حيث كان يقع بيته على بعد ما يقرب من 300 متر من الشاطئ .. على بعد عدة أمتار من مكان وقوفى كان يوجد أول وكر او "دولاب" كما يطلق عليه تجار المخدرات والدولاب فى المنطقة عبارة عن قارب به كافة انواع المخدرات ويجلس اصحابه من الخارجين على القانون على البر ملتصقين فيه ويبدأون عملية التقسيم سواء بلف نبات البانجو فى ورق الجرائد واحكام غلقه بالشريط اللاصق او تقطيع مخدر الحشيش الى قطع صغيرة تسمى "قرش" تمهيدا لاستقبال الزبائن وبدء عملية البيع والدولاب ثابت مادام الوضع آمنا ولا يتم تحريك القارب الا اذا استشعر المطاريد المدججون بالسلاح الآلى بخطر قادم.
من حسن الطالع ان مرشدى كان صيادا محبوبا وطيبا يسكن فى قلب الاحداث ولا يحتك به المطاريد على اعتبار انه رجل عجوز ومسالم ولأسن منهم اولاداً لصيادين من اصحابه والذين انحرفوا عن الطريق القويم بعد ان بخل عليهم النيل بأسماكه قهرا عنه.
"حياة"
وجدت مبررى عندما اقنعت "عم محمد" بأن يخبر الجميع بأننى نجلة بنت شقيقه التى تسكن فى إحدى المناطق الشعبية فى القاهره حتى افوت عليهم فرصة السؤال حول لهجتى الغريبة عنهم .. هكذا ولدت "حياة" وهو الاسم الحركى الذى اخترناه تفاؤلا بالعودة حيه .. وسرعان ما انتقلت "حياة"من الخيال الى الواقع وبدأ الكل يعتاد على وجودها واصبحت واحده من الشاطئ خلال ثلاثة ايام كنت ارى فيهم زبائن الموت البطيء من خيرة شباب الوطن من طلاب جامعات ومدارس يصطفون فى طابور طويل للحصول على المخدرات .. كنت اتعجب من رجال قطعت اميالا لشراء الكيف الذى يدمر خلاياهم ويقتل ادمغته.
فى دولاب ميت العطار شاهدت كميات كبيرة من البانجو والحشيش وكميات صغيرة من "البودرة" والتى كان لها زبائنها وكيف كان يقوم كل خارج على القانون بعمله على ادق وجه فهذا يحضر لفافات البانجو وآخر يقطع الحشيش بالسنتيمتر واخر يعد نقود الزبائن واخطرهم كان الناضورجى الذى يحمل البندقية الالى المعبأة بخزنتين من الرصاص احداهما تحمل الاخرى والذى يقف كحارس او بصاص مثلما يطلقون عليه لتأمين الدولاب.
بعد ان اطمأن لى الجميع خاصة المشبوهين بدأت جولتى الحقيقية بالتنقل بمفردى فى حدود المكان لبيع اسماكى او الذهاب بصحبة "عم محمد" والذى طلبت منه اصطحابى فى كل رحلاته المائية بطول الفرع.
42 وكرا للمخدرات
زرت معظم الاوكار او "الدواليب" على فرع دمياط الذى تقع عليه 5 محافظات من كبرى محافظات الوجه البحرى هى الدقهلية والقليوبيه والغربية والمنوفية ودمياط وكل الدواليب تشابهت فى كونها تزخر بكافة اصناف المخدرات وتحيط بها "الناضورجيه" والجيوش المسلحه بالالى ورشاشات الهيكلر واختلفت فقط فى أماكنها التى انتشرت كالخلايا السرطانية على الفرع الذى بدا وكأنه يئن.
سألت مرشدى عن كيفية حصول هؤلاء على هذا الكم الكبير والمتنوع من السلاح وعمن يستطيع تمويلهم وهل يعقل ان يشترى تاجر مخدرات بهذا الكم باهظ الثمن؟ فقال لى انه سمع احدهم ذات مرة يتحدث لاخر وقال ان السلاح غير المرخص مهرب من ليبيا ومبيع بأسعار زهيده وهناك شائعات تقول ان هذا السلاح مسروق من خزائن الداخلية عقب اقتحام السجون والاقسام وقال هامسا لقد رأى بعض الفلاحين معهم قنابل يدويه وسلاح الجرينوف يخبئونها فى القوارب لاستخدامها فى الوقت اللازم.
هناك حوالى 42 دولابا او نقطة مخدرات على فرع دمياط تحديدا من شبين القناطر بالقليوبية وحتى قناطر دهتورا بالغربيه وهى مسافه 120 كيلو مترا والتى استطعت قطعها تاركة ما هو ممتد وأخذتها كعينة استطيع التجول فى زمامها دون مشاكل او قلق .. زرت منها دولاب قرية شندبسط الذى يقع امام الجزيرة الوسطى ودولاب قرية مسجد وصيف ودولاب قرية الغريب الذى يقع أمام محطة المياه ودولاب قرية ميت الحارون عند مدخل القرية وقرية تفاهنا العزب أمام المعدية بمحافظة الدقهلية ودولاب سهرجت امام الكوبرى وميت العز قبل مصنع الطوب ودولاب كفر شكر أمام مدرسة الزراعه ودولاب ورورة القريب من دملوو فى محافظة المنوفية ودولاب ميت العبسى عند قرية عرب ابوذكرى ودولاب كفر ميت العبسي.
سوق علنى للمخدرات
"حشيش حشيش.. بانجو بانجو .. ابعت يابنى " .. صدق او لا تصدق هكذا ينادون ليدللوا على بضاعتهم وكأنها سلعه مشروعة وكأنهم لا يخافون شيئا وكأنك تقف فى سوق للمخدرات .. عند كل دولاب تسمع نداءاتهم ومن بين حين واخر تسمع دوى طلقات الرصاص الذى يطلقونه فى الهواء لاجبار الزبائن من مساطيل الكيف على الالتزام بالصف واحترام الدور بأسبقية الوقوف !!
عند أول الطريق البرى المؤدى الى الدولاب اخترته من بين الزبائن .. كان شابا فى منتصف العشرين يبدو عليه الثراء توسمت فيه الشهامة واقتربت منه طالبة ان يشترى لى المخدرات .. لفة بانجو وقرش حشيش.. واخبرته بأننى اريدها لوالدى لاننى لا ارغب فى الذهاب اليهم حتى لا يضايقوننى كالعاده وفعلا ذهب وعاد بعد دقائق اعطانى نصف قرش حشيش ولفة البانجو.
انتهزتها فرصة لأسأله عن التسعيرة فقال لى ان لفة البانجو ب 25 جنيها وقرش الحشيش ب 200 جنيه ويرتفع السعر بحسب الكمية فسألته بشكل مباشر عن مدى خوفه من القدوم لمكان كهذا خاصة بعد علمى من انه قادم من محافظة الشرقية فكان رده "ياستى خدى حاجتك وامشى يعنى هى الحكومة مش عارفة .. شايفه وعامله نفسها عامية ".
رصدت كيف يخبئ الزبائن الحشيش والبانجو فى ملابسهم او مع اطفالهم الصغار الذين لم تتعد اعمار اكبرهم 6 سنوات حتى يبعدوا عنهم الشك .. رأيت كيف يبيع الرجال هواتفهم ومتعلقاتهم الشخصيه للناضورجية وما هو كل نفيس وغال من اجل الكيف والمزاج .. رأيت شبابا مدمرا خاصة ممن يتعاطون الهيروين وشبابا قرر ان يدمر زملاءه الاخرين بالمضى فى طريق الشيطان بوازع من شر تدفعه به نفسه الامارة بالسوء يحيث يأتى قاطعا كل تلك الاميال ليشترى المخدرات بكافة اصنافها بالجمله ليعود بها الى اصدقائه فى الجامعات والمدارس ويبيعها بالتجزئة .. رأيت وسمعت كيف تدار تلك التجارة المشبوهة المسلحه وكيف يستبيح اصحابها ربحها وكيف تجول وتصول فى كل أرجاء المحروسه من فرع دمياط وكيف يغتصبون النيل فى كل دقيقة.
بانجو وهيروين
نسج القدر سيناريو ليمهد لى التقرب من زوجة احد المشبوهين وكانت سيده ذات ملامح كبيره غالب عليها الدهاء شكلا فقط وعمرها يقترب من الثلاثين .. كانت ترتدى جلبابا مزركشا وتغرق نفسها برائحة عطر نفاذة تزكم انوف امثالى من اهل المدينة وكانت كثيرة الكلام لدرجة انك لا تستطيع ايقافها ودار بيننا حديث خاص دون ان يخطر ببالها انها تفشى بأسرار خطيرة قررت كتابتها مثلما قالت لان لسانها لسان حال الكثيرات هناك مع اختلاف اوضاع ودرجة قرب او بعد ازواجهن من التجار الكبار.









.jpg)

