النهار
السبت 17 أكتوبر 2026 05:12 مـ 5 جمادى أول 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

عربي ودولي

اقتصادي فلسطيني: احتكار السلع ودمار المصانع يعمّقان انهيار اقتصاد غزة ويهددان التعافي

قطاع غزة - أرشيفية
قطاع غزة - أرشيفية

حذّر الباحث الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر، من تفاقم الاختلالات التي تضرب الاقتصاد في قطاع غزة، في ظل توقف الشاحنات التجارية، وارتفاع تكاليف إدخال البضائع، وضعف الرقابة على الأسواق، بالتزامن مع انهيار واسع في القطاع الصناعي وتدمير معظم المنشآت الاقتصادية. وأكد أن استمرار القيود المفروضة على حركة السلع وتراجع القدرة الإنتاجية يفاقمان الأزمة المعيشية، ويزيدان اعتماد السكان على المساعدات والاستيراد، في وقت تتسع فيه احتياجات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

وأشار أبو قمر، في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن أزمة توقف الشاحنات التجارية لا تتعلق فقط بتعطل تدفق البضائع، بل تكشف خللًا أوسع في منظومة السوق، في ظل القيود الإسرائيلية على المعابر ومسارات دخول السلع، وما وصفه بفرض تنسيقات وأتاوات مرتفعة تصل إلى آلاف الشواكل للشاحنة الواحدة. وأشار إلى أن هذه التكاليف تنعكس مباشرة على الأسعار النهائية، ليتحمل المستهلك أعباء إضافية رغم التراجع الحاد في قدرته الشرائية وشح البدائل المتاحة أمامه.

الشاحنات وأزمة الأسعار

وأوضح أبو قمر أنه طرح قبل أشهر مقترحًا يدعو إلى عصيان مدني يقوم على وقف دخول الشاحنات التجارية إلى قطاع غزة، والاكتفاء بشاحنات المساعدات، احتجاجًا على تكاليف التنسيقات والأتاوات التي قال إنها تُحمّل أسعار السلع أعباء إضافية. وأضاف أن المقترح أثار ردود فعل متباينة، إذ حذر معارضون من أن وقف الشاحنات قد يؤدي إلى نقص السلع وتفاقم خطر المجاعة.

ولفت إلى أن مقترحه كان يستهدف، وفق تصوره، ممارسة ضغط لتغيير آليات إدخال البضائع والحد من استنزاف المواطنين، لكنه لفت إلى أن توقف الشاحنات حدث بالفعل في سياق مختلف، يتعلق بخلاف حول الرسوم والضرائب، وليس نتيجة عصيان مدني أو احتجاج شعبي على الأسعار.

ورأى الباحث أن هذا التطور يثير تساؤلات بشأن الجهات التي تتحكم في حركة البضائع والسوق في غزة، وقدرة الجهات الحكومية على إدارة الملف التجاري وحماية المستهلك، خصوصًا إذا صحت الشكاوى التي تربط التصعيد الأخير بالضرائب المفروضة على التجار. وحذّر من أن استمرار هذا الوضع يضع المواطنين في مواجهة تبعات قرارات لا يملكون التأثير فيها، وسط أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة.

أعباء إضافية على المستهلك

وأكد أبو قمر أن أي رسوم إضافية تُفرض على الشاحنات، سواء تحت مسمى التنسيقات أو الضرائب، مرشحة للانتقال إلى السعر النهائي للسلع، بما يؤدي إلى زيادة التضخم وتآكل دخول الأسر. وأشار إلى أن محدودية المنافسة وشح البدائل في قطاع غزة يجعلان المستهلك أكثر عرضة لتحمل هذه الزيادات، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع الاحتياجات الأساسية.

وفيما يتعلق بأزمة السيولة النقدية، اعتبر أبو قمر أن فرض نسبة من السيولة المتاحة لدى كبار التجار قد يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح لتخفيف أزمة النقد وتنشيط التداول بالشيكل، شريطة وجود آلية واضحة للتطبيق والرقابة، وضمان عدم تحول الإجراء إلى عبء إضافي يُنقل إلى المستهلك عبر رفع الأسعار.

وشدد على ضرورة ضبط العلاقة بين التجار والجهات الحكومية، وضمان دخول البضائع دون أعباء غير مبررة، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار. وحذّر من أن استمرار تحكم أطراف محدودة في تدفق السلع وتكاليفها سيعمّق الأزمة المعيشية، ويضعف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.

الصناعة تفقد قدرتها الإنتاجية

وبالتوازي مع أزمة التجارة والأسعار، حذّر أبو قمر من الانهيار الواسع الذي أصاب القطاع الصناعي في غزة، معتبرًا أن الخسارة لا تقتصر على تدمير المصانع والمنشآت، بل تمتد إلى فقدان القدرة على الإنتاج والتشغيل وتوليد الدخل، بما يهدد فرص التعافي الاقتصادي على المدى الطويل.

واستند الباحث إلى تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الصادر في سبتمبر الماضي، الذي أشار، بحسب الأرقام التي أوردها، إلى تعرض نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في القطاع للدمار أو الضرر، وانخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة 94% مقارنة بعام 2022. وقال إن هذه المؤشرات تعكس تآكل القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، بعدما تجاوزت الأزمة حدود توقف المصانع إلى تراجع القدرة على إعادة تشغيلها واستعادة نشاطها.

وأضاف أن تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تضع أضرار قطاع التجارة والصناعة عند نحو 6.35 مليارات دولار، منها 5.72 مليارات دولار للمنشآت المدمرة، ونحو 633 مليون دولار للمنشآت القابلة للإصلاح. ولفت إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار للقطاع تُقدّر بنحو 9 مليارات دولار، ما يكشف حجم الفجوة بين الأضرار المسجلة والمتطلبات اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي.

إعادة الإعمار واستعادة الإنتاج

وأوضح أبو قمر أن إعادة بناء المنشآت وحدها لا تكفي لاستعادة النشاط الصناعي، إذ يتطلب تشغيل المصانع توفير الآلات والمعدات ورأس المال العامل والمواد الخام والطاقة المستقرة، فضلًا عن فتح الأسواق أمام حركة الإنتاج والتجارة. واعتبر أن غياب هذه المتطلبات قد يجعل إعادة بناء المنشآت غير كافية لضمان عودة المصانع إلى العمل وتوفير فرص الدخل والتشغيل.

وأشار إلى تقديرات اتحاد الصناعات الإنشائية التي تفيد بتجاوز الخسائر في هذا القطاع ملياري دولار، مع تدمير أكثر من 90% من مجمل القطاع الصناعي، بحسب الأرقام التي أوردها. ورأى أن تعافي الصناعة لا ينبغي التعامل معه باعتباره ملفًا قطاعيًا منفصلًا، بل مدخلًا لإعادة تشغيل قطاعات أخرى وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على المساعدات والاستيراد.

وأضاف أن عودة المصانع إلى الإنتاج ستنعكس على العمالة والنقل والخدمات والطلب على المواد الخام، بما يعيد تنشيط حلقات مترابطة داخل الاقتصاد المحلي. لكنه شدد على أن تحقيق ذلك يتطلب إدخال مستلزمات التصنيع، وتوفير الطاقة والسيولة، وإصلاح المنشآت المتضررة، وحماية المناطق الصناعية، إلى جانب تهيئة الظروف اللازمة لاستمرار الإنتاج.

واختتم أبو قمر بالتأكيد على أن معالجة أزمة اقتصاد غزة تتطلب مسارين متوازيين: ضبط حركة البضائع والأسعار وحماية المستهلك من الأعباء غير المبررة، واستعادة القاعدة الإنتاجية عبر إعادة تأهيل القطاع الصناعي وتوفير مستلزمات تشغيله. وحذّر من أن استمرار اختلالات السوق وتدمير القدرات الإنتاجية سيبقي الاقتصاد في دائرة الاعتماد على المساعدات والاستيراد، ويحد من فرص التعافي وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان.

موضوعات متعلقة