«بترول مصري كان يؤمّن طاقة إسرائيل».. ماذا استعادت مصر مع حقول سيناء؟
وثائق أمريكية وأممية تكشف حجم اعتماد إسرائيل على نفط سيناء خلال الاحتلال.. وجمال شقرة لـ«النهار»: استعادة الحقول كانت استعادة للسيادة على الأرض ومواردها
لم تكن حقول البترول التي استعادت مصر السيطرة عليها في سيناء بعد حرب أكتوبر مجرد آبار ومنشآت إنتاج عادت إلى أصحابها.
فخلال سنوات الاحتلال تحولت الثروة المصرية إلى مصدر مهم للطاقة الإسرائيلية، حتى إن وثيقة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أشارت في 1975 إلى أن إيران كانت توفر نحو 30% فقط من احتياجات إسرائيل النفطية المحلية خلال العام السابق، بينما جاء باقي الاحتياجات من الحقول المصرية التي استولت عليها إسرائيل في سيناء.
الاحتلال لم يكن للأرض وحدها
بعد احتلال سيناء في يونيو 1967، استغلت إسرائيل الموارد الموجودة في شبه الجزيرة، وفي مقدمتها البترول.
ويقول الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، لـ«النهار»، إن ملف البترول لم يكن منفصلًا عن استعادة السيادة المصرية على سيناء، بل كان جزءًا من قضية الأرض ومواردها.
ويوضح شقرة أن المفاوض المصري تمسك بأن «سيناء أرض مصرية ومواردها موارد مصرية»، ومن ثم لم يكن مقبولًا تثبيت أي حقوق إسرائيلية في تلك الموارد.
ويرى أن استعادة حقول مثل أبو رديس والعَلَمة لم تكن مجرد عودة لمنشآت إنتاج، وإنما إنهاء وضع كانت فيه ثروة مصرية تستخدم لتلبية احتياجات دولة الاحتلال.
35.7 مليون برميل في عام واحد
تكشف وثائق الأمم المتحدة حجم استغلال نفط سيناء خلال الاحتلال.
ففي محضر رسمي لاجتماع اللجنة الثانية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 1973، ورد تقدير بأن إسرائيل استخرجت خلال عام 1972 وحده نحو 35.7 مليون برميل من خام سيناء، قدرت قيمتها حينها بنحو 82.5 مليون دولار.
ويعادل ذلك حسابيًا متوسطًا يقترب من 98 ألف برميل يوميًا.
لكن الرقم ورد كتقدير داخل مداخلة رسمية مسجلة لدى الأمم المتحدة، وليس نتيجة مراجعة مستقلة أجرتها المنظمة.
235.5 مليون برميل خلال الاحتلال
وفي تقرير أممي صدر عام 1977، ظهرت تقديرات مصرية أوسع بشأن الخسائر الناتجة عن استغلال الموارد أثناء الاحتلال.
وبحسب هذه التقديرات، بلغ إجمالي الخام الذي استُخرج من آبار سيناء نحو 235.5 مليون برميل.
كما أشارت مصر إلى أن الخسارة لم تتوقف عند قيمة النفط المستخرج، بل امتدت إلى أثر معدلات الإنتاج على الاحتياطيات القابلة للاستخراج والعمر الإنتاجي للحقول.
عندما أصبح البترول هدفًا عسكريًا
ولم تظهر أهمية نفط سيناء في الوثائق الاقتصادية فقط، بل تحولت منشآته خلال الحرب إلى أهداف عسكرية.
ويروي القبطان عمر عز الدين، أحد أبطال القوات الخاصة البحرية، أنه كُلّف في 8 أكتوبر 1973 ضمن مجموعة من القوات البحرية بتنفيذ عملية استهدفت منشآت بترولية في منطقة بلاعيم وأبو رديس كانت إسرائيل تستخدمها في استخراج النفط، موضحًا أن الهدف كان حرمان العدو من مصدر مهم للبترول.
وتتفق شهادته مع البيان العسكري المصري رقم 18 الصادر في 8 أكتوبر، والذي أعلن أن القيادة أصدرت أوامر بحرمان العدو من الاستفادة ببترول سيناء، وأن القوات المصرية أغارت على مناطق آبار البترول في بلاعيم وأشعلت النيران فيها، كما دمرت حفارًا كان يستخدم في أعمال البحث والتنقيب.
CIA: أغلب الاحتياجات جاءت من سيناء
وفي مايو 1975 قدمت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية صورة أوضح عن اعتماد إسرائيل على هذه الحقول.
ذكرت الوكالة أن إيران كانت المورد الخارجي الوحيد لإسرائيل آنذاك، وأنها وفرت في 1974 نحو 40 ألف برميل يوميًا، تعادل قرابة 30% من احتياجاتها النفطية المحلية، بينما جاءت بقية الاحتياجات من الحقول النفطية المصرية التي استولت عليها إسرائيل في سيناء.
وبذلك لم يكن نفط سيناء موردًا تكميليًا، بل عنصرًا رئيسيًا في أمن الطاقة الإسرائيلي خلال تلك المرحلة.
البترول على طاولة التفاوض
ويقول شقرة لـ«النهار» إن الموارد البترولية ظلت جزءًا من مفاوضات ما بعد الحرب، وإن الموقف المصري تمسك بعودة الأرض وما عليها وما تحتها إلى السيادة المصرية.
وتؤكد الوثائق الأمريكية حضور حقول النفط في هذه المفاوضات؛ إذ ظهر الانسحاب من حقول أبو رديس إلى جانب الممرات الاستراتيجية ضمن المطالب المصرية خلال محادثات 1975.
وهكذا لم يكن فقدان إسرائيل للحقول نتيجة اقتصادية جانبية للانسحاب، بل تغييرًا مباشرًا في خريطة مصادر الطاقة التي اعتمدت عليها.
17 نوفمبر.. عودة الحقول
وفي 17 نوفمبر 1975 استعادت مصر حقول بترول سيناء إلى السيادة المصرية، وهو التاريخ الذي أصبح لاحقًا عيد البترول المصري.
ويؤكد شقرة لـ«النهار» أن استعادة الحقول أعادت إلى مصر حقها الكامل في إدارة موردها الطبيعي وتحديد كيفية استغلاله والاستفادة من عوائده.
ومع عودة الحقول استعادت مصر السيطرة على كيفية إنتاج البترول وبيعه وإدارة احتياطياته، بينما فقدت إسرائيل موردًا كانت الوثائق الأمريكية تعتبره مصدرًا رئيسيًا لاحتياجاتها النفطية.
ومن هنا يظهر أحد الأبعاد الاقتصادية المهمة لنتائج حرب أكتوبر:
استرداد بترول سيناء لم يكن فقط استعادة لآبار ومنشآت، بل استعادة لمورد استراتيجي كان قد أصبح جزءًا من أمن الطاقة الإسرائيلي خلال سنوات الاحتلال.


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






