اللواء محمد كريم حفيد حاكم الإسكندرية.. ضابط ارتبط بحرب أكتوبر ومفاوضات الهدنة
وُلد اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم في 6 أكتوبر 1935، اليوم الذي أصبح لاحقًا رمزًا لانتصار القوات المسلحة المصرية في حرب 1973، ليحمل في سيرته العسكرية ارتباطًا وثيقًا بمرحلة المواجهة مع إسرائيل، بدءًا من سنوات الإعداد للحرب، مرورًا بمهامه في المخابرات الحربية، وصولًا إلى دوره في نقل المعلومات واستلام الأسرى والمشاركة في اتصالات وقف إطلاق النار.
ورغم رحيله في 19 أغسطس 2021 عن عمر ناهز 86 عامًا، بقيت سيرته حاضرة في ذاكرة أسرته، باعتباره ضابطًا اختار البقاء في ميادين المواجهة، ورفض الانتقال إلى العمل في رئاسة الجمهورية رغم عرض ذلك عليه عقب حرب يونيو 1967، مفضلًا استكمال مهمته العسكرية على الجبهة.
حفيد حاكم الإسكندرية وقائد المقاومة ضد الفرنسيين
لم تكن قصة اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم مجرد مسيرة ضابط في القوات المسلحة، بل امتدت جذورها إلى تاريخ عائلي ارتبط بالمقاومة الوطنية، فهو من أحفاد السيد محمد كُريِّم، حاكم الإسكندرية خلال العهد العثماني وقائد المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية على مصر عام 1798.
وفي حديث خاص لجريدة النهار المصرية، يستعيد الدكتور أحمد شيرين محمد كُريِّم، نجل اللواء الراحل ورئيس لجنة الاستثمار بالغرفة التجارية ورئيس شعبة الأسمنت ونائب الهيئة العامة للاستثمار السابق، محطات من حياة والده، الذي جمع بين الإرث الوطني والمسيرة العسكرية.
التحق محمد عبد الحميد كُريِّم بالكلية الحربية، وتخرج في مايو 1958 ضمن سلاح الفرسان، قبل تغيير اسمه لاحقًا إلى سلاح المدرعات.
ويشير نجله إلى أن ارتباط والده بالحياة العسكرية بدأ قبل تخرجه، إذ كان طالبًا في الكلية الحربية خلال العدوان الثلاثي عام 1956، وطالب مع عدد من زملائه بالمشاركة في الدفاع عن مدينة بورسعيد، وهو ما أدى، وفقًا لرواية الأسرة، إلى تأخر تخرجه عامًا.
مسيرة عسكرية بين اليمن وسوريا وجبهة القناة
خلال سنوات خدمته العسكرية، شارك اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم في عدد من المحطات المهمة، من بينها فترة الوحدة العربية والعمل في سوريا، والمشاركة في حرب اليمن، قبل أن تتركز مهامه لاحقًا في الملفات المرتبطة بالصراع مع إسرائيل.
ويقول نجله إن والده أمضى نحو 17 عامًا من خدمته داخل المخابرات الحربية، مستفيدًا من إجادته اللغتين الإنجليزية والفرنسية، إلى جانب ثقافته الواسعة، وهو ما أهله للمشاركة في مهام ذات طبيعة خاصة واتصالات مع أطراف أجنبية.
وأضاف أن والده جمع بين الخبرة الميدانية والعمل الاستخباراتي، خاصة خلال السنوات التي سبقت حرب أكتوبر، والتي شهدت استعدادات مكثفة لاستعادة الأراضي المصرية المحتلة.
رفض العمل بالرئاسة واختار البقاء في الجبهة
من بين المواقف التي بقيت في ذاكرة الأسرة، ما حدث عقب نكسة يونيو 1967، عندما كتب اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم مذكرة من الجبهة إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عبّر فيها عن الحالة النفسية للضباط والجنود بعد الهزيمة.
وأوضح نجله أن والده استُدعي للقاء عبد الناصر، الذي أعجب بشجاعته وعرض عليه الانتقال للعمل في رئاسة الجمهورية، لكنه اعتذر وطلب الاستمرار في الجبهة، مؤكدًا رغبته في استكمال مهمته حتى استرداد الأرض.
وبعد ذلك جاءت مرحلة حرب الاستنزاف، التي مثلت فترة مهمة في إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد للمعركة الكبرى.
من نقل المعلومات إلى استلام الأسرى في حرب أكتوبر
كان اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم ضمن الضباط الذين أُبلغوا بموعد ساعة الصفر قبل حرب أكتوبر، حيث كان يشغل منصب مدير مكتب مخابرات المنطقة الشرقية لخط القناة، التي تضم الإسماعيلية والسويس وبورسعيد.
وبحسب رواية نجله، تولى والده مسؤوليات مرتبطة بنقل المعلومات والأخبار من الجبهة، إضافة إلى استلام الأسرى والجواسيس خلال فترة الحرب.
ومن أبرز الوقائع التي ارتبطت باسمه، مشاركته في إجراءات استلام وتسليم عدد من الأسرى الإسرائيليين، ومن بينهم العقيد عساف ياجوري، قائد كتيبة مدرعة إسرائيلية، الذي وقع في الأسر خلال معارك أكتوبر بعد وقوع قواته في كمين بمنطقة الفردان يوم 8 أكتوبر 1973.
دور في اتصالات وقف إطلاق النار بعد الحرب
أوضح نجله أن إتقان والده للغتين الإنجليزية والفرنسية ساعده في المشاركة بالاتصالات والمفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار مع الأطراف الأجنبية، ومن بينها اجتماعات جنيف وسويسرا، وفقًا لما نقلته الأسرة عن تلك المرحلة.
وتكتسب هذه المهام أهمية خاصة، كونها جمعت بين الخبرة العسكرية والعمل الاستخباراتي والتواصل الدبلوماسي خلال فترة كانت تشهد تحولات سياسية وعسكرية كبيرة.
كما يستعيد نجله إحدى الصور التي يعتز بها لوالده بجوار حطام طائرة إسرائيلية أسقطتها القوات المصرية خلال الحرب، معتبرًا أنها توثق جانبًا من أجواء المعركة والتغطية الإعلامية العسكرية في ذلك الوقت.
«السادات كان داهية».. شهادة ضابط على الخداع الاستراتيجي
كان اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم يتحدث كثيرًا عن الرئيس الراحل أنور السادات، ويصفه بأنه «الداهية»، في إشارة إلى إدارته لخطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت عبور القوات المصرية قناة السويس.
ويقول نجله إنه كان يستمع باستمرار إلى ذكريات والده عن الحرب وزملائه ومواقفهم خلال تلك المرحلة، وهو ما جعله يحتفظ بتفاصيل كثيرة عن واحدة من أهم الفترات في تاريخ مصر الحديث.
كما عاصرت الأسرة أجواء الحرب بشكل مباشر، إذ كان والدُه وخاله اللواء عصام الأنجباوي وزوج خالته اللواء نبيل فرغلي موجودين في الجبهة خلال الفترة نفسها، وشهدوا تطورات معركة الثغرة في الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر.
إرث عائلي امتد من المقاومة إلى القوات المسلحة
يرى أحمد شيرين كُريِّم أن الإرث الوطني لعائلة كُريِّم ترك أثرًا كبيرًا في أبنائها، فهي تنتمي إلى أحفاد محمد كُريِّم، حاكم الإسكندرية وقائد المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798.
وأشار إلى أن هذا التاريخ انعكس على توجه أفراد الأسرة، إذ اتفق الأعمام على التحاق أحد أبنائهم على الأقل بالخدمة العسكرية، وهو ما أدى إلى وجود عدد من أفراد العائلة داخل القوات المسلحة.
كما أوضح أن عم والده، اللواء عبد المجيد كُريِّم، كان أحد الضباط خلال فترة ثورة يوليو، وكان من الضباط الأحرار، مشيرًا إلى أن والده وعددًا من الضباط الأحرار تتلمذوا على يده وفقًا لما ورد في مذكراتهم المنشورة.
وفي 19 أغسطس 2021، رحل اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم، ودُفن في مدافن القوات المسلحة، بعد مسيرة ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ مصر العسكري.
ويختتم الدكتور أحمد شيرين كُريِّم حديثه بالإشارة إلى المفارقة التي ميزت سيرة والده، إذ إن يوم ميلاده 6 أكتوبر هو نفسه اليوم الذي أصبح رمزًا لانتصار عسكري أعاد الثقة للمصريين ومهّد لاستعادة الأرض.
وهكذا بقيت حكاية اللواء محمد عبد الحميد كُريِّم، كما يرويها نجله، قصة ضابط اختار الجبهة والمواجهة، وارتبط اسمه بمرحلة فارقة من تاريخ مصر الحديث.







.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)






