صورت حادثًا أو مشاجرة.. اعرف متى يعرّضك نشر الفيديو للمساءلة القانونية
فيديو الهاتف قد يساعد في كشف واقعة، لكن مكان التصوير وهوية من يظهر في المقطع وطريقة نشره قد تغيّر الموقف القانوني بالكامل
قد يبدأ الأمر بحادث أو مشاجرة أو اعتداء في الشارع، يخرج أحد الموجودين هاتفه ويسجل ما يحدث، وبعد دقائق ربما يكون الفيديو قد وصل إلى الشرطة، أو نُشر على صفحة يتابعها عشرات الآلاف، أو بدأ تداوله مصحوبًا باسم شخص واتهام مباشر له بارتكاب جريمة
التسجيل نفسه قد يساعد في إثبات ما جرى، لكن طريقة التعامل معه بعد ذلك تصنع فارقًا كبيرًا، فمكان التصوير، والأشخاص الذين ظهروا في الصورة، وما إذا كان بينهم طفل أو ضحية، ثم ما كُتب مع الفيديو وكيف جرى نشره، كلها أمور قد تنقل المسألة إلى نطاق قانوني مختلف
وقد يحتفظ أحدهم بالمقطع لتقديمه إلى الجهات المختصة، بينما ينشره آخر على مواقع التواصل مقرونًا باتهامات أو بيانات عن أشخاص لم تثبت بحقهم مسؤولية، وفي الحالتين تكون الكاميرا واحدة، لكن طريقة استخدام التسجيل تختلف
فهل يجوز تصوير كل ما يحدث في الشارع؟ وهل يختلف الاحتفاظ بالفيديو عن نشره؟ وما حدود التعامل مع صور الضحايا والأطفال؟ وهل يكفي مقطع متداول للحكم على شخص أو واقعة؟
«النهار» طرحت هذه الأسئلة على خمسة متخصصين في القانون والأمن السيبراني وعلم النفس، وتتبعت معهم ما يحدث منذ فتح كاميرا الهاتف وحتى وصول التسجيل إلى الجمهور
يقول المحامي بالنقض عمرو عبد السلام إن تسجيل واقعة بقصد إثبات ما حدث قد يوفر مادة تفيد جهات التحقيق عند فحصها
لكن نشر التسجيل وتقديمه للجمهور باعتباره دليلًا قاطعًا على مسؤولية شخص بعينه يختلف عن الاحتفاظ به وتسليمه إلى الجهات المختصة
ويرى عبد السلام أن من يصور واقعة يعتقد أنها تمثل جريمة يكون في موقف أكثر أمانًا عندما يحتفظ بالمقطع ويقدمه إلى الجهات المعنية، بدلًا من نشره مصحوبًا باتهامات عبر مواقع التواصل الاجتماعي
ويمكن أن يكون التسجيل، بحسب عبد السلام، ضمن المواد التي تفحصها جهات التحقيق والمحاكم، على أن تُقدَّر قيمته في ضوء سلامته وظروف التقاطه، وما إذا كان قد تعرض للقص أو التعديل، إلى جانب بقية الأدلة والقرائن المتاحة
أما نشر الفيديو، فقد يفتح بابًا للمساءلة القانونية
خاصة إذا تضمن اتهامًا مباشرًا لشخص، أو كشف تفاصيل تمس حياته الخاصة، أو قُدم إلى الجمهور باعتباره مرتكب الجريمة قبل انتهاء التحقيقات أو صدور حكم قضائي
وتجرم المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 صورًا من النشر الإلكتروني الذي ينتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات أو الصور المنشورة صحيحة أو غير صحيحة، ولا يعني ذلك أن كل فيديو يُصوَّر في الشارع يصبح نشره جريمة تلقائيًا، إذ يرتبط التكييف القانوني بمضمون ما نُشر وظروف الواقعة وتوافر أركان الجريمة
وقبل الوصول إلى النشر، تبرز ضوابط أخرى تتعلق بمكان التصوير ومن يظهرون في الصورة
تقول نسمة عبد الوهاب، المحامية بالاستئناف العالي، إن الأشخاص الذين يظهرون في التسجيل يجب أن يكونوا جزءًا من حسابات من يمسك الهاتف، خاصة إذا كان بينهم أطفال أو ضحايا أو أشخاص ظهروا في أوضاع تمس خصوصيتهم أو كرامتهم
وترى أن تصوير اعتداء أو حادث لا يستلزم بالضرورة كشف هوية كل من ظهر فيه، وأن حدوث الواقعة في مكان عام لا يعني أن تصوير الأشخاص أو نشر صورهم متاح بلا ضوابط
وتشير عبد الوهاب إلى أن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2720 لسنة 2022 نظم التصوير الشخصي في الأماكن العامة، وسمح به دون تصريح أو رسوم وفق الضوابط التي حددها، مع وضع قيود تتعلق ببعض المواقع والمنشآت، إلى جانب ضوابط تخص الأطفال وتصوير المواطنين ونشر صورهم
ويحظر القرار التصوير الشخصي دون موافقة مسبقة في الأراضي والمباني والمنشآت والمعدات التابعة لوزارات الدفاع والإنتاج الحربي والداخلية وغيرها من الجهات السيادية والأمنية والقضائية والمجالس النيابية، وكذلك مباني ومنشآت الوزارات والمصالح الحكومية، ويتضمن كذلك حظر تصوير الأطفال، وحظر تصوير ونشر صور المواطنين دون موافقة كتابية منهم
وتوضح عبد الوهاب أن حدوث الواقعة في مكان عام لا يكفي وحده للقول إن تصوير كل من يظهر فيها أو نشر صورته متاح في جميع الحالات
وتحذر بصورة خاصة من البث المباشر
لأن الصورة تصل إلى الجمهور في اللحظة نفسها، وقد يظهر خلالها طفل أو ضحية أو تفاصيل تتعلق بالحياة الخاصة قبل أن ينتبه المصور إلى ما جرى بثه
وقد يمتد الأمر إلى توجيه اتهام مباشر لشخص لم تنته التحقيقات بشأنه، فيتحول تفسير صاحب الهاتف لما شاهده إلى اتهام علني يسبق تحديد المسؤولية أمام جهات التحقيق والقضاء
وتؤكد عبد الوهاب أن الحق في تسجيل ما يحدث لا ينفصل عن حقوق الأشخاص الموجودين في الصورة، خصوصًا الضحايا والأطفال ومن لم تثبت بحقهم مسؤولية قانونية
ولا تكشف الصورة وحدها ما إذا كان الفيديو المتداول هو النسخة الأصلية التي خرجت من الهاتف، أو ما إذا كان قد تعرض للقص أو التعديل
ويحذر الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية وخبير الذكاء الاصطناعي، من التعامل مع المقطع المتداول باعتباره رواية نهائية لما حدث، فقد يكون التسجيل صحيحًا، بينما تكون المعلومات المصاحبة له أو الاتهام المكتوب عليه غير صحيحة
ويقول رمضان إن الفحص الجنائي الرقمي قد يبدأ بمحاولة الوصول إلى الملف الأصلي ودراسة خصائصه والبيانات المتاحة داخله، ثم مقارنته بالنسخ المتداولة، وفحص احتمالات تعرضه للقص أو الدمج أو إعادة الترميز والضغط
ولا يحمل كل فيديو بالضرورة بيانات تكشف مكان التصوير أو توقيته أو هوية المصور، فقد لا تكون بعض المعلومات مسجلة من الأصل، وقد تضيع بيانات أخرى أثناء نقل الملف أو رفعه على منصات التواصل
وينصح رمضان من يصور واقعة يحتمل أن تخضع للتحقيق بالاحتفاظ بالنسخة الأصلية كما التقطتها الكاميرا
دون قص أو كتابة أو مؤثرات، وعدم استبدالها بنسخة أُعيد تنزيلها من إحدى المنصات
ويرى أن تطور أدوات الذكاء الاصطناعي زاد الحاجة إلى الفحص الفني، مع قدرتها على إنتاج أو تعديل مواد مرئية وصوتية بدرجات متقدمة من الإقناع، وهو ما يجعل مشاهدة المقطع وحدها غير كافية للحسم في أصالته
وفي موقع الحادث نفسه، قد يصبح التصوير موضع سؤال من نوع مختلف، لماذا يصور بعض الموجودين بينما يحتاج شخص أمامهم إلى المساعدة؟
يرفض الدكتور أشرف الصدري، الحاصل على دكتوراه في علم النفس الجنائي، الحكم على كل من يحمل هاتفًا أمام حادث أو اعتداء بأنه يفتقر إلى التعاطف أو اختار المشاهدة بدلًا من التدخل
ويشير إلى أن بعض المواقف قد تتأثر بما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ«تأثير المتفرج»، حين يتردد الشخص في المبادرة مع وجود عدد من الأشخاص وشعوره بأن شخصًا آخر سيتدخل
وقد يكون الهدف من التصوير حفظ ما حدث، بينما يتحول الأمر لدى البعض إلى فضول أو بحث عن المشاهدات والانتشار
ويقول الصدري إن فهم دوافع المصور لا يكون من رؤية الهاتف في يده فقط، وإنما بالنظر إلى سلوكه كاملًا، هل طلب الإسعاف؟ هل أبلغ الشرطة؟ هل كان قادرًا على تقديم مساعدة آمنة؟ وماذا فعل بالتسجيل بعد انتهاء الواقعة؟
ولا تعني المساعدة الدخول في مواجهة قد تعرض الشخص أو غيره لخطر أكبر، لكن تصوير ما يحدث لا ينبغي أن يكون بديلًا عن طلب النجدة متى كان ذلك ممكنًا
ولا تنتهي آثار الفيديو عند من صوره أو ظهر فيه، فالمقطع الذي يسجله شخص واحد في الشارع قد يصل خلال ساعات إلى آلاف الأشخاص الذين لم يكونوا في موقع الواقعة
ويرى الدكتور وليد هندي، الأخصائي النفسي، أن التكرار المستمر لمقاطع الجرائم والاعتداءات قد ينعكس على شعور بعض المستخدمين بالأمان وعلى تقديرهم لحجم الخطر من حولهم
ويربط هندي ذلك بمفهوم «العالم الشرير» في دراسات الغرس الثقافي، والذي يناقش أثر التعرض الكثيف لمحتوى العنف في تصور المتلقي للبيئة المحيطة، وهو مفهوم بحثي في دراسات الإعلام وليس تشخيصًا لاضطراب نفسي
كما يتحدث عن «الجريمة الاستعراضية»، حين تصبح الكاميرا أو احتمالات الانتشار جزءًا من الفعل نفسه، فيُصوَّر الاعتداء أو يُبث بحثًا عن الانتباه والمشاهدات
ولا يقتصر أثر تداول الفيديو على من يشاهده، فبالنسبة إلى الضحية قد تعني كل مشاركة جديدة إعادة عرض لحظة الاعتداء أمام جمهور جديد، وقد يستمر انتشار المقطع حتى بعد ظهور معلومات تغير الرواية التي صاحبت نشره في البداية
وعندما تتولى مؤسسة صحفية أو إعلامية نشر مثل هذه المقاطع، تدخل ضوابط مهنية إضافية على طريقة التعامل معها
فكود «ضوابط وأخلاقيات نشر أخبار الجريمة والتحقيقات»، الصادر بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 22 لسنة 2022، يؤكد قرينة البراءة وعدم استباق نتائج التحقيقات والمحاكمات، ويضع ضوابط لنشر أسماء وصور المشتبه بهم والمتهمين، إلى جانب قواعد خاصة بحماية الأطفال والضحايا وعدم الكشف عن هوياتهم في الحالات التي حددها الكود
كما يشدد على احترام خصوصية الضحايا وكرامتهم، وضبط نشر المشاهد الصادمة والقاسية وفق الضرورة المهنية، وألا تتحول أخبار الجرائم إلى وسيلة لمجرد زيادة المشاهدات والتفاعل
وقد يحمل هاتف شخص كان موجودًا في المكان تسجيلًا يساعد في معرفة ما جرى
وقد يصبح هذا التسجيل جزءًا مهمًا من فحص الواقعة، لكن ما يظهر على الشاشة يظل جزءًا من قصة تحتاج إلى تحقيق وأدلة وسياق كامل
الكاميرا قد تسجل ما حدث، لكنها لا تحول حاملها إلى محقق، وزر النشر لا يمنحه سلطة إصدار حكم


.jpg)

.png)












.jpg)


.jpg)







