النهار
الأربعاء 16 سبتمبر 2026 02:00 مـ 3 ربيع آخر 1448 هـ
جريدة النهار المصرية رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر
مصداقية الإعلام الغربي على المحك: هل ما زالت واشنطن قادرة على بيع روايتها للشرق الأوسط؟ الأهلي يستأنف تدريباته بعد ثنائية أبو قير وزير الإسكان: صندوق ”الإسكان الاجتماعي” يطلق خدمة إصدار مخالصة الوحدات السكنية الكترونيًا وزيرة الإسكان تتابع موقف مشروعات المرافق وأعمال التطوير ورفع الكفاءة والتصدي للمخالفات بمدينتي ”الشيخ زايد وحدائق أكتوبر” رسميا.. بيزيرا ينتقل إلى شباب أهلي دبي «A+» تعزز حضورها الإقليمي من جدة وتبحث فرص الاستثمار العقاري في مصر وزيرة الإسكان تعقد اجتماعًا موسعًا لمتابعة موقف مشروعات المبادرة الرئاسية ”حياة كريمة” حملة أمنية مكبرة بقسم ومركز دسوق في كفر الشيخ تضبط 700 حكم جنائي و15 قضية تموينية و1500 مخالفة مرافق محافظا البحر الأحمر والجيزة يشهدان توقيع بروتوكول توأمة لتعزيز التعاون في مجال «مدن التعلم» لأول مرة.. حملات لسلامة الغذاء على كانتينات المدارس والجامعات ببورسعيد جامعة بورسعيد تقفز بتخصص التمريض إلى الفئة 101–150 عالميًا في تصنيف شنغهاي 2026 قوتنا في شبابنا.. صندوق مكافحة الإدمان يدرب 1000 متطوع جديد على برامج الوقاية من المخدرات

مقالات

مصداقية الإعلام الغربي على المحك: هل ما زالت واشنطن قادرة على بيع روايتها للشرق الأوسط؟

د. أحمد مصطفى
د. أحمد مصطفى

بقلم د. أحمد مصطفى

رئيس ومؤسس مركز آسيا للدراسات والترجمة، مصر

باحث أول غير مقيم، معهد فيينا الدولي لدراسات الشرق الأوسط (VIIMES)، فيينا – النمسا

في الشرق الأوسط، لم تعد المعركة تدور فقط حول الصواريخ والطائرات والممرات البحرية. هناك معركة أخرى أقل ضجيجًا لكنها لا تقل أهمية: معركة المصداقية.

وهنا تحديدًا يضع تقرير حديث لموقع Axios الإعلام الغربي ومراكز التفكير والسياسات الأمريكية أمام اختبار حقيقي. فقد نشر الموقع تقريرًا في 15 سبتمبر/أيلول 2026 قال فيه إن قادة عسكريين أمريكيين وإسرائيليين وعربًا عقدوا اجتماعًا سريًا في ألمانيا لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية، مشيرًا إلى مشاركة مصر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة.

لكن المفارقة المهمة أن الجزء الأساسي من الواقعة تؤكده واشنطن، بينما تظل بعض التفاصيل الأكثر حساسية بحاجة إلى تحقق مستقل.

فبحسب تصريحات نقلتها وكالة الأناضول عن مسؤول أمريكي، استضافت القيادة المركزية الأمريكية اجتماعًا مقررًا في ألمانيا ضم قيادات عسكرية عليا من ثماني دول، بهدف تعزيز التعاون الأمني في الشرق الأوسط، من دون أن يكشف المسؤول الأمريكي أسماء الدول المشاركة.

وهنا تبدأ المشكلة الصحفية الحقيقية.

إذا كانت واشنطن تؤكد انعقاد الاجتماع لكنها لا تسمي المشاركين، بينما يقدم Axios قائمة محددة تشمل مصر، فإن السؤال المهني ليس ما إذا كان التقرير "صحيحًا" أو "كاذبًا" في جملة واحدة. السؤال هو: أي جزء من القصة مؤكد؟ وأي جزء قائم على مصادر مجهلة؟ وما الذي يمكن التحقق منه بصورة مستقلة؟

هذه ليست مسألة شكلية. ففي عالم السياسة الدولية، يمكن لفارق صغير في صياغة الخبر أن يحول اجتماعًا عسكريًا اعتياديًا إلى انطباع بوجود تحالف استراتيجي جديد.

والفرق بين التنسيق العسكري والتحالف العسكري هائل.

من «التنسيق» إلى «الناتو العربي»

هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها في الإعلام الأمريكي تصورات عن بناء منظومة أمنية إقليمية تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل وعددًا من الدول العربية في مواجهة إيران.

لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الدول العربية لا تتحرك بالضرورة وفق الخريطة التي ترسمها واشنطن.

فالشرق الأوسط تغير منذ 2023. العلاقات السعودية-الإيرانية استعادت قنواتها الدبلوماسية بدعم صيني، ودول عربية عدة تبنت سياسات أكثر استقلالًا في إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى، بينما توسعت الشراكات العربية مع الصين وروسيا والهند وتركيا إلى جانب العلاقات التقليدية مع الولايات المتحدة.

لهذا، فإن تصوير أي اجتماع أمني عربي-أمريكي-إسرائيلي باعتباره ولادة تلقائية لـ«ناتو عربي» يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من مجرد انعقاد اجتماع مغلق.

والأهم أن الاجتماعات العسكرية لا تكشف بالضرورة القرارات السياسية للدول المشاركة.

قد تتعاون دولة عربية مع الولايات المتحدة في مجال الدفاع الجوي، بينما تتعاون مع الصين في الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية، ومع روسيا في الطاقة النووية، ومع تركيا في الصناعات الدفاعية، ومع أوروبا في التكنولوجيا والاستثمار. هذه ليست ازدواجية؛ إنها محاولة لبناء هامش مناورة في عالم متعدد الأقطاب.

الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية

المفارقة الأكبر أن التقرير يأتي في لحظة تواجه فيها القوة الأمريكية اختبارًا لم يكن متوقعًا أن يكون بهذه القسوة.

فـ بيانات حديثة نقلتها رويترز عن مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي تشير إلى أن الحرب الأمريكية مع إيران كلفت واشنطن نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس 2026 - بالرغم انها قد يتم ضربها في عشرة وفقا لتقديرات خبراء مستقلين، مع تقديرات بارتفاع التكلفة بنحو 3 مليارات دولار شهريًا، فيما استنزفت الحرب كميات كبيرة من الذخائر، ولا سيما الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى. وتشير التقديرات إلى أن إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات.

وفي أغسطس، نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة استهلكت خلال الحرب جزءًا كبيرًا من مخزونها العالمي من بعض الصواريخ بعيدة المدى، بما في ذلك استخدام «تقريبًا كل» مخزونها من بعض ذخائر PrSM وATACMS، مع استهلاك نسبة كبيرة من مخزون صواريخ Tomahawk. وأكدت رويترز أنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من بعض هذه الأرقام.

وهذه النقطة الأخيرة بالذات تستحق الانتباه.

فحتى الأخبار القادمة من المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى يجب ألا تتحول إلى حقائق مطلقة لمجرد أنها منشورة في صحيفة أمريكية أو بريطانية.

المصداقية لا تعني غياب الخطأ؛ بل تعني إظهار حدود ما نعرفه.

أمريكا لم تفقد قوتها، لكنها فقدت وهم القوة غير المحدودة

من الخطأ الاستراتيجي القول إن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عسكريًا. فهي ما زالت تملك أكبر قاعدة صناعية وعسكرية وتحالفية في العالم.

لكن الحرب كشفت شيئًا مختلفًا وأكثر أهمية: القوة الأمريكية ليست بلا حدود، والذخائر الحديثة ليست موردًا لا ينفد.

وليس صدفة أن تضغط واشنطن خلال 2026 لرفع إنتاج صواريخ Patriot وTHAAD وTomahawk وAMRAAM. فقد أشارت رويترز إلى خطط واتفاقات لزيادة الإنتاج بصورة كبيرة، في الوقت الذي تواجه فيه المخزونات الأمريكية ضغوطًا بسبب الحرب في إيران وحروب أخرى.

اقتصاديًا، هذه مسألة شديدة الدلالة.

فـ الولايات المتحدة قد تستطيع إنفاق مئات المليارات على الدفاع، لكنها لا تستطيع إنتاج صاروخ اعتراضي متقدم بالسرعة نفسها التي يمكن بها لطرف منخفض التكلفة إنتاج طائرات مسيرة أو صواريخ بكميات كبيرة.

وهنا تظهر معادلة جديدة في الحروب الحديثة:

ليست القضية من يملك السلاح الأغلى، بل من يستطيع تحمل تكلفة الحرب لفترة أطول.

باب المندب: درس مختلف في القوة

البحر الأحمر قدم مثالًا صارخًا على هذا التحول.

لم يكن الحوثيون بحاجة إلى امتلاك حاملة طائرات أو أسطول محيطات لرفع تكلفة الوجود الأمريكي في البحر الأحمر. يكفي أن تمتلك قوة غير حكومية صواريخ وطائرات مسيرة وقدرة على تهديد خطوط الملاحة.

فـ قصة حاملة الطائرات USS Harry S. Truman، فينبغي تناولها بدقة. لأن الحوثي وامريكا كل له روايته، فـ الحوثي يقر بالقول إنها «أخرجت من الخدمة». اما الأمريكان يقروا بان انتشار الحاملة في عمليات طويلة بالبحر الأحمر، والخسائر والحوادث التشغيلية التي تعرضت لها مجموعتها، ثم عودتها إلى الولايات المتحدة، تعكس مدى تعقيد البيئة التي واجهتها البحرية الأمريكية هناك.

والدرس الأهم ليس دعائيًا: يمكن لقوة أقل تكلفة أن تفرض على قوة عظمى استهلاك موارد باهظة لحماية خطوط الملاحة.

وهذه معادلة اقتصادية قبل أن تكون عسكرية.

مصر ليست تفصيلًا في هذه المعادلة

لهذا، فإن ذكر مصر في تقرير مجهّل التفاصيل يستحق التدقيق، لا التوظيف السياسي.

مصر دولة ذات حسابات استراتيجية خاصة. فهي عضو في منظومات تعاون متعددة، وتحتفظ بعلاقة عسكرية طويلة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه طورت شراكات مهمة مع الصين وروسيا وأوروبا ودول آسيا والخليج.

القاهرة لا تحتاج إلى اختيار واشنطن ضد بكين أو موسكو، ولا إلى استبدال تبعية بأخرى.

ما تحتاجه هو الاستقلال الاستراتيجي.

وهذا يعني أن أمن مصر يجب أن يستند أولًا إلى قدراتها الوطنية، ثم إلى شبكة علاقات متعددة، لا إلى افتراض أن قوة خارجية ستخوض كل حرب نيابة عنها.

السؤال الأكبر: من يراقب «مراقبي الحقيقة»؟

المشكلة التي يطرحها تقرير Axios تتجاوز التقرير نفسه.

لقد اعتاد الشرق الأوسط لسنوات على استقبال الأخبار السياسية والعسكرية من خلال عدسة وسائل الإعلام الغربية ومراكز الأبحاث الأمريكية. وكان اسم المؤسسة في كثير من الأحيان كافيًا لمنح الخبر درجة عالية من المصداقية.

لكن العالم تغير.

اليوم يستطيع القارئ مقارنة الرواية الأمريكية بالرواية الروسية والصينية والتركية والعربية، والرجوع إلى البيانات الحكومية الأصلية، ومقارنتها بتقارير المؤسسات الدولية.

وهذا يضع الإعلام الغربي ومراكز الفكر الغربية أمام مسؤولية أكبر.

إذا كان الخبر قائمًا على مصدر مجهول، فيجب القول إنه قائم على مصدر مجهول. وإذا لم يمكن التحقق من اسم مشارك في اجتماع، فيجب القول إنه لم يمكن التحقق منه. وإذا كان الرقم تقديريًا، فيجب وصفه بأنه تقديري.

هذه ليست مجاملة للشرق أو انتقادًا للغرب.

إنها أبسط قواعد الصحافة المهنية.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى رواية واحدة

المرحلة الجديدة لا تسمح للدول العربية ببناء سياساتها على رواية إعلامية واحدة، أيا كان مصدرها.

ولا يعني ذلك رفض الإعلام الأمريكي أو الأوروبي. على العكس، ما زالت المؤسسات الغربية تنتج تحقيقات وتحليلات ذات قيمة كبيرة. لكن قيمتها يجب أن تُقاس بالأدلة والمنهج، لا بجواز السفر الإعلامي للمؤسسة.

أما بالنسبة للدول العربية، فالرسالة أكثر وضوحًا:

لا تراهنوا على قوة واحدة، ولا على مصدر معلومات واحد، ولا على مظلة أمنية واحدة.

فـ التحالفات تتغير، والمخزونات العسكرية تنفد، والحروب تكشف حدود القوة، والأسواق تعيد تسعير المخاطر، والممرات البحرية يمكن أن تتحول في أيام إلى نقاط ضغط عالمية.

ومن هنا، فإن اجتماع ألمانيا سواء كان خطوة نحو تعاون أمني أوسع أو مجرد اجتماع عسكري تنسيقي يجب ألا يُقرأ باعتباره نهاية القصة.

إنه جزء من قصة أكبر:

نظام إقليمي يتغير، وقوة أمريكية لا تزال هائلة لكنها لم تعد بلا تكلفة، ودول عربية تبحث عن مساحة أوسع للاستقلال، وإعلام غربي أصبحت مصداقيته نفسها جزءًا من المعركة الجيوسياسية.

وفي هذه البيئة، لن يكون السؤال في السنوات المقبلة: من يملك أقوى جيش؟

بل ربما يكون السؤال الأهم:

من يملك القدرة على التحقق من الحقيقة قبل أن يبني عليها قراراته؟