ترامب يحشد الجمهوريين بالمال والجحيم لإنقاذ أغلبيته بانتخابات منتصف الولاية
في أول مؤتمر وطني للحزب الجمهوري مخصص لانتخابات منتصف الولاية في تاريخه الحديث، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمع بين الإغراء المالي والضغط الديني والسياسي لحشد قاعدته الانتخابية قبل انتخابات 3 نوفمبر 2026، في مواجهة معركة قد تحدد قدرة إدارته على تمرير أجندتها خلال العامين الأخيرين من ولايته. واستضاف مركز «أمريكان إيرلاينز» في مدينة دالاس بولاية تكساس المؤتمر يومي 9 و10 سبتمبر، في تجمع حمل طابعًا استعراضيًا واضحًا، وأطلق عليه أنصار ترامب اسم «Trumpapalooza - ترامبالوزا».
ولم يكن المؤتمر اجتماعًا حزبيًا تقليديًا لاختيار مرشحين أو إقرار منصة سياسية جديدة، بل تحول إلى منصة للحشد الانتخابي وجمع التمويل وتعبئة الجمهوريين خلف مرشحي الحزب، مع وضع ترامب في مركز المشهد باعتباره العامل الأكثر قدرة على تحريك القاعدة. وألقى الرئيس الأمريكي كلمة رئيسية مطولة في الليلة الأولى، قبل أن يعود في الليلة الثانية بملاحظات ختامية ركزت بصورة أكبر على ضرورة التصويت وحشد الناخبين.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الأحزاب التي تتولى السلطة عادة صعوبات انتخابية في انتخابات منتصف الولاية، إذ لا يكون الرئيس نفسه موجودًا على ورقة الاقتراع، بما قد يؤدي إلى انخفاض حماس أنصاره مقارنة بالانتخابات الرئاسية. ولذلك، بدا أن ترامب يتعامل مع انتخابات نوفمبر باعتبارها اختبارًا شخصيًا لنفوذه، محاولًا تحويل التصويت للجمهوريين إلى امتداد مباشر للتصويت له، حتى في غياب اسمه عن بطاقات الاقتراع.
وعد مالي غير مسبوق
في كلمته الرئيسية يوم 9 سبتمبر، فاجأ ترامب الحاضرين بإعلانه ما وصفته تقارير إعلامية بأنه وعد مالي غير مسبوق في السياسة الأمريكية الحديثة، متعهدًا بإصدار «توزيع» بقيمة 5000 دولار لكل مواطن أمريكي بالغ، إذا تمكن الجمهوريون من الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر. وربط ترامب هذا الوعد بما وصفه بـ«النجاح الاقتصادي الهائل» لإدارته، وبالإيرادات التي تحققها الولايات المتحدة من التعريفات الجمركية.
وقال ترامب، في تصريح نقلته تقارير متعددة، إنه إذا فاز الجمهوريون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ معًا، فإنه سيصدر توزيعًا لكل مواطن بالغ في الولايات المتحدة بقيمة 5000 دولار، مشبهًا الخطوة بما تفعله الشركات الناجحة عندما توزع مبالغ نقدية على مساهميها، ومطلقًا عليها اسم «توزيع ترامب». وأوضح أن الأموال يجب أن تُنفق داخل الولايات المتحدة، مضيفًا أنه لا يريد للمواطنين الذهاب إلى كندا أو الصين أو ألمانيا لإنفاقها.
غير أن الإعلان جاء من دون تحديد آلية واضحة لتنفيذ الوعد أو جدول زمني لصرف الأموال أو معايير دقيقة للأهلية، بما في ذلك ما إذا كان أصحاب الدخول المرتفعة سيُستبعدون من الاستفادة منه. كما لم يوضح ترامب بصورة تفصيلية حجم الإيرادات الجمركية التي يمكن أن تمول هذه المدفوعات، ولا الكيفية التي يمكن من خلالها تحويلها إلى توزيع مباشر على المواطنين.
وتكشف هذه الفجوات أن الإعلان، حتى في حال اعتباره وعدًا سياسيًا جديًا، يظل في حاجة إلى إطار تشريعي ومالي واسع حتى يتحول إلى سياسة قابلة للتنفيذ. كما أن ربط صرف الأموال بشرط فوز الجمهوريين بمجلسي الكونجرس يجعل الوعد مرتبطًا بصورة مباشرة بنتيجة الانتخابات، وهو ما يمنحه وزنًا انتخابيًا واضحًا يتجاوز مجرد طرح اقتصادي عام.
فاتورة تتجاوز التريليون
الحسابات النظرية لحجم البرنامج تكشف ضخامة التحدي المالي، إذ إن دفع 5000 دولار لنحو 240 إلى 270 مليون مواطن بالغ يعني تكلفة إجمالية تتراوح تقريبًا بين 1.2 و1.35 تريليون دولار. ويضع هذا الرقم البرنامج في نطاق إنفاق اتحادي هائل، خصوصًا في ظل استمرار العجز الفيدرالي المرتفع والحاجة إلى تحديد مصدر تمويل مستدام لمثل هذه المدفوعات.
وتزداد صعوبة المعادلة مع محاولة ربط التوزيع بإيرادات التعريفات الجمركية، إذ إن الإيرادات الناتجة عن التعريفات، حتى مع توسعها، لا تعني تلقائيًا وجود موارد كافية لتغطية برنامج بهذا الحجم بصورة مستمرة. ولذلك فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت التعريفات تحقق إيرادات، وإنما بما إذا كانت هذه الإيرادات يمكن أن تغطي فاتورة تبلغ أكثر من تريليون دولار من دون زيادة الضغوط على المالية العامة.
وحاول نائب الرئيس جي دي فانس لاحقًا تقديم تفسير أكثر تحديدًا، مشيرًا إلى إمكانية تمويل التوزيعات من إيرادات التعريفات، ومؤكدًا أن الأموال لن تذهب إلى الأثرياء، بل ستكون، وفق توصيفه، «توزيعًا للعمال الأمريكيين». غير أن هذا التوضيح لم يحسم بصورة كاملة مسألة معايير الاستحقاق أو حجم الإيرادات المطلوبة أو الأساس القانوني الذي سيتيح تنفيذ البرنامج.
وأثار الوعد في المقابل تشكيكًا من جانب اقتصاديين جمهوريين وحلفاء لترامب، فيما وصفه ديمقراطيون بأنه «رشوة سياسية» أو وعد فارغ. كما أشارت تقارير إلى أن الإعلان فاجأ حتى بعض مسؤولي الإدارة، وأن ترامب لم يناقش الفكرة على نطاق واسع قبل طرحها علنًا، بينما تعيد الوعود السابقة المرتبطة بتوزيعات مالية ممولة من التعريفات أو بإيرادات جهاز كفاءة الحكومة إلى الواجهة سؤال مدى قدرة الوعود الكبيرة على تجاوز العقبات التشريعية والعملية.
التصويت مقابل المكافأة
سياسيًا، تبدو قيمة الوعد المالي أكبر من مجرد حجمه النقدي، لأنه يخاطب واحدة من أكثر القضايا حساسية لدى الناخب الأمريكي، وهي تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية. وفي انتخابات منتصف الولاية، حيث يمكن أن تتراجع المشاركة مقارنة بالانتخابات الرئاسية، يحاول ترامب خلق حافز مباشر يجعل الناخب يشعر بأن بقاء الجمهوريين في السلطة يمكن أن يتحول إلى منفعة مالية شخصية.
وهنا تتقاطع الرسالة الاقتصادية مع الحساب الانتخابي؛ فبدل الاكتفاء بالدفاع عن أداء الإدارة في الاقتصاد والحدود والتعريفات، يقدم ترامب للناخب وعدًا يمكن قياسه بصورة فورية: 5000 دولار. وهذا النوع من الرسائل قادر على اختزال نقاش سياسي معقد في منفعة مادية مباشرة، خصوصًا لدى الناخبين الذين يشعرون بضغط الأسعار وتكاليف الحياة اليومية.
لكن ربط المال بنتيجة انتخابية يفتح في الوقت نفسه نقاشًا قانونيًا وسياسيًا حول الحدود الفاصلة بين الوعد السياسي المشروع ومحاولة التأثير المباشر في اختيار الناخبين. ولا يعني ذلك تلقائيًا أن الوعد يشكل مخالفة قانونية، لكنه يضعه في منطقة شديدة الحساسية، خصوصًا مع ارتباطه الصريح بشرط سياسي يتمثل في انتخاب أغلبية جمهورية في مجلسي الكونجرس.
وبذلك، فإن «توزيع ترامب» لا يمثل مجرد مقترح اقتصادي، وإنما جزء من هندسة انتخابية أوسع تسعى إلى جعل الناخب الجمهوري يرى نتيجة التصويت باعتبارها ذات عائد شخصي مباشر. وفي هذه الحالة، يتحول الاقتصاد من ملف لتقييم أداء الإدارة إلى أداة تعبئة انتخابية مرتبطة بصورة مباشرة ببقاء الأغلبية الجمهورية.
«الجحيم» لحشد القاعدة
في الليلة الثانية من المؤتمر، انتقل ترامب من الإغراء المالي إلى خطاب أكثر حدة، مستخدمًا لغة دينية مباشرة لحث مؤيديه على المشاركة في انتخابات نوفمبر. وقاد الرئيس الحاضرين في عهد جماعي، طالبهم خلاله برفع أيديهم والتعهد بالخروج للتصويت مع عائلاتهم وأصدقائهم في 3 نوفمبر أو قبله عبر التصويت المبكر.
وفي ذروة الخطاب، قال ترامب للحاضرين إن من لا يصوت «يذهب إلى الجحيم»، قبل أن يضيف أنه لا يريد أن يحدث ذلك لهم، مطالبًا إياهم بالذهاب إلى صناديق الاقتراع. وجاءت العبارة في سياق مليء بالدعوة إلى التعبئة، إلى جانب عبارات ساخرة وهجومية، من بينها قوله إنه سيحاول «الغش مثل الجحيم» كما يفعل الديمقراطيون، في إشارة إلى اتهاماته المتكررة للحزب المنافس بالتلاعب الانتخابي.
ولم تكن هذه اللغة منفصلة عن بقية خطابه، إذ طالب ترامب أنصار الحزب بالتعامل مع الانتخابات وكأنه موجود شخصيًا على بطاقة الاقتراع، محذرًا من أن خسارة الجمهوريين تعني فقدان الضرائب المنخفضة والأمن الحدودي والثروة التي يقول إن إدارته حققتها. كما واصل وصف الديمقراطيين بعبارات شديدة الهجوم، متهمًا إياهم بالتطرف والشيوعية.
ويعكس هذا الأسلوب محاولة لإبقاء الانتخابات في إطار الولاء السياسي والشخصي لترامب، بدل أن تتحول إلى استفتاء منفصل على أداء المرشحين المحليين. فحين يطلب الرئيس من جمهوريي منتصف الولاية أن يصوتوا كما لو كان هو المرشح، فإنه يسعى عمليًا إلى نقل القوة التعبوية التي يمتلكها إلى مرشحين قد لا يمتلكون وحدهم القدرة على جذب الناخبين بالدرجة نفسها.
الدين والسياسة معًا
يحمل استخدام مفردة «الجحيم» دلالة تتجاوز السخرية أو المبالغة الخطابية، لأنه يدمج في لحظة واحدة بين الحشد الديني والالتزام السياسي. ويعتمد ترامب منذ سنوات على أسلوب خطابي يمزج الدعابة والاستفزاز والرسائل الدينية والهجوم على الخصوم، بما يسمح له بالحفاظ على حالة تعبئة مرتفعة داخل قاعدته الانتخابية.
وقد يقرأ أنصاره العبارة باعتبارها مزحة أو مبالغة مقصودة لرفع الحماس، خصوصًا أنها صدرت في تجمع انتخابي حاشد وليس في خطاب ديني. لكن منتقديه رأوا فيها ضغطًا مبالغًا فيه على الناخبين، وربطًا غير مألوف بين التصويت والجزاء الديني، فضلًا عن كونها امتدادًا لنمط أوسع يجعل الولاء لترامب جزءًا أساسيًا من الخطاب الانتخابي الجمهوري.
والأهم أن العبارة جاءت في لحظة تحتاج فيها الحملة الجمهورية إلى معالجة مشكلة المشاركة أكثر من حاجتها إلى إقناع الناخبين التقليديين بمبادئ الحزب العامة. فالمعركة ليست فقط حول اتجاه الناخبين، وإنما حول عدد الناخبين الذين سيصلون بالفعل إلى صناديق الاقتراع، ولذلك استخدم ترامب كل أدوات التعبئة المتاحة أمامه، من الوعد المالي إلى التخويف السياسي وصولًا إلى الاستدعاء الديني.
ومن هذه الزاوية، تبدو عبارتا «5000 دولار» و«الجحيم» مختلفتين في الشكل لكنهما متكاملتان في الوظيفة الانتخابية؛ الأولى تقدم حافزًا ماديًا، والثانية تستخدم ضغطًا أخلاقيًا ودينيًا، وكلتاهما تستهدفان رفع احتمالات مشاركة القاعدة الجمهورية في انتخابات قد تكون أكثر صعوبة بالنسبة للحزب الحاكم.
مؤتمر لخوض المعركة
لم يقتصر مؤتمر دالاس على هذين التصريحين، إذ استغل ترامب المنصة للدفاع عن أداء إدارته في ملفات الاقتصاد والحدود والتعريفات الجمركية، كما تحدث عن الحرب في إيران والضرائب، وسعى إلى تقديم السنوات الحالية من حكمه باعتبارها مرحلة حققت إنجازات تستوجب استمرار السيطرة الجمهورية على الكونجرس.
كما استخدم الرئيس المؤتمر لتقديم الدعم لعدد من المرشحين الرئيسيين للحزب، في محاولة للاستفادة من شعبيته الشخصية في معارك انتخابية قد تكون حاسمة بالنسبة إلى مستقبل الأغلبية الجمهورية. وحتى طبيعة المؤتمر نفسها تؤكد هذا الاتجاه؛ فهو لم يكن مؤتمرًا ترشيحيًا تقليديًا، بل تجمعًا انتخابيًا هدفه الأساسي الحشد والتمويل وصناعة الرسالة السياسية.
ورغم الحضور الذي قُدر بالآلاف، تحدثت تقارير عن وجود مقاعد فارغة في بعض اللحظات، وهو ما يضيف بعدًا آخر إلى أهمية حملة التعبئة التي يقودها ترامب. فالرئيس لا يتعامل فقط مع خصم ديمقراطي يريد إسقاط الأغلبية، وإنما مع احتمال أن يتراجع حماس جزء من الناخبين الجمهوريين عندما لا يكون هو نفسه مرشحًا في الانتخابات.
ولهذا السبب، يبدو أن ترامب يحاول منذ الآن تحويل انتخابات منتصف الولاية إلى معركة على مستقبل مشروعه السياسي، بحيث لا يكون السؤال بالنسبة إلى الناخب الجمهوري هو اختيار عضو في مجلس النواب أو الشيوخ فحسب، بل تحديد ما إذا كان الرئيس سيمتلك الأغلبية اللازمة لمواصلة أجندته.
معركة على المستقبل
تكشف رسائل مؤتمر «ترامبالوزا» عن استراتيجية انتخابية تقوم على ثلاث ركائز متزامنة: تقديم مكافأة مالية محتملة، وتحويل الانتخابات إلى اختبار ولاء شخصي لترامب، وتصوير فوز الديمقراطيين باعتباره تهديدًا مباشرًا لما يقول إنه إنجازات حققتها إدارته. وبهذا المعنى، لا يسعى الرئيس فقط إلى الدفاع عن الأغلبية الجمهورية، وإنما إلى منع انتخابات منتصف الولاية من التحول إلى استفتاء على نقاط الضعف التي قد تظهر في أداء الإدارة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرها الخاصة. فكلما ارتفع سقف الوعود، زادت الأسئلة حول مصادر التمويل والقدرة على التنفيذ، وكلما زادت حدة الخطاب، ارتفع احتمال أن يتحول الحشد إلى عامل استقطاب إضافي بدل توسيع قاعدة الحزب بين الناخبين المترددين.
ويبقى «توزيع ترامب» المثال الأوضح على هذه المعادلة؛ فهو وعد قادر على جذب الانتباه وإثارة الحماس، لكنه في الوقت نفسه يواجه أسئلة ضخمة حول التكلفة والتمويل والتشريع والأهلية. أما عبارة «الجحيم»، فتؤدي وظيفة مختلفة لكنها تخدم الهدف ذاته: إبقاء الناخب الجمهوري داخل حالة تعبئة نفسية تمنعه من التعامل مع انتخابات نوفمبر باعتبارها اقتراعًا عاديًا.
وفي النهاية، فإن ما جرى في دالاس يكشف أن معركة انتخابات 2026 لن تكون بالنسبة إلى ترامب مجرد سباق على مقاعد الكونجرس، بل معركة للحفاظ على قدرة إدارته على الحكم وتنفيذ أجندتها. وإذا نجح في تحويل شعبيته الشخصية إلى مشاركة جمهورية مرتفعة، فقد يحتفظ الحزب بالقدرة على تمرير سياساته؛ أما إذا فشل في ذلك، فقد يجد نفسه أمام كونغرس أكثر عداءً في النصف الأخير من ولايته، حتى لو ظل تأثيره داخل الحزب الجمهوري قويًا.


.jpg)

.png)












.jpg)
.jpeg)

.jpg)







