70 عاماً على العلاقات المصرية-الصينية: من التضامن التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية الملموسة
بقلم الدكتور أحمد مصطفى
عندما يحط الرئيس الصيني شي جين بينغ رحاله في القاهرة، عقب قمة قادة منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان، فإنه لن يحمل معه مجرد كأس للاحتفال بذكرى سنوية. فهذه الزيارة، التي تأتي بعد غياب عن مصر منذ عام 2016، تتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. ولذلك، فإن كلا الحكومتين بحاجة إلى أن تفضي هذه الزيارة إلى نتائج ومضامين ملموسة، لا أن تقتصر على المراسم والاحتفالات.
اعترفت مصر بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، بعد عام واحد فقط من لقاء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي في مؤتمر باندونغ، لتصبح القاهرة بوابة بكين الأولى إلى العالم العربي والقارة الأفريقية. وعلى مدى معظم العقود الخمسة التالية، قامت العلاقات بين البلدين على التضامن والمساندة أكثر مما قامت على استراتيجية متكاملة. غير أن هذا النهج بدأ يتغير بصورة واضحة عام 2014، عندما ارتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وبدأ في زيارة بكين بوتيرة تفوق زياراته إلى أي عاصمة غربية، مقدماً التجربة الصينية باعتبارها نموذجاً يمكن لمصر الاستفادة منه في مسيرتها التنموية.
واليوم، أصبح الاقتصاد هو المحرك الرئيسي للعلاقات الثنائية. فقد أصبحت الصين واحدة من أكبر الشركاء التجاريين لمصر، كما أسهمت الشركات والمقاولون الصينيون في بناء أبراج العاصمة الإدارية الجديدة، بما في ذلك أعلى مبنى في أفريقيا، فضلاً عن تنفيذ خط القطار الكهربائي الذي يربط العاصمة الإدارية بالقاهرة الكبرى. كما جذبت المنطقة الاقتصادية الصينية-المصرية «تيدا» في منطقة قناة السويس مليارات الدولارات من الاستثمارات، وأسهمت في توفير عشرات الآلاف من فرص العمل، لترسخ موقع مصر عند نقطة محورية في طريق الحرير البحري.
ولم تعد مجالات التعاون الاقتصادي تقتصر على الاستثمار والتجارة. فقد امتدت إلى خط مبادلة للعملة بالرنمينبي، ساعد القاهرة في مواجهة فترات شح الدولار، وصولاً إلى التعاون في بناء قمر صناعي مصري بشكل مشترك. وهكذا، باتت العلاقات المصرية-الصينية ترتكز على شبكة واسعة من المصالح والمشروعات التي تتجاوز حدود العلاقات السياسية التقليدية.
أما البعد متعدد الأطراف في هذه العلاقة فهو أحدث نسبياً. فقد انضمت مصر إلى مبادرة الحزام والطريق عام 2016، وشاركت للمرة الأولى كعضو كامل العضوية في تجمع بريكس خلال قمة قازان، كما انضمت إلى بنك التنمية الجديد. كذلك أصبحت مصر شريكاً في الحوار مع المنظمة نفسها التي يشارك الرئيس شي جين بينغ في قمتها بقيرغيزستان.
ومن منظور بكين، تمثل القاهرة ركيزة مهمة في بناء منظومة «مجتمع المستقبل المشترك للبشرية» عبر منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا. أما بالنسبة إلى القاهرة، فالحساب أكثر وضوحاً: الحصول على رأس المال والأسواق والدعم الدبلوماسي في مرحلة يبدو فيها النظام الدولي الذي تقوده الدول الغربية أقل موثوقية وأكثر تعرضاً للضغوط والإجهاد.
واللافت أن المزاج الشعبي يسير إلى حد كبير في الاتجاه نفسه الذي تتبناه الحكومتان. ففي أحدث استطلاع أجراه معهد جلوبال تايمز للأبحاث حول نظرة المواطنين الصينيين إلى مصر، جاءت مصر ضمن الدول الأكثر حظوة بالتقدير في منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا؛ إذ قال 60% من المشاركين إن لديهم نظرة إيجابية تجاه مصر، بينما وصف 71% مصر بأنها دولة صديقة أو شريك استراتيجي.
وفي دولة تؤدي فيها الدولة دوراً مؤثراً في تشكيل المزاج العام، من دون أن يعني ذلك بالضرورة صناعة هذا المزاج بالكامل، فإن هذه المشاعر الإيجابية تجاه مصر تكتسب أهمية خاصة؛ فهي تمنح قيادتي البلدين مساحة سياسية أوسع للمضي قدماً وبوتيرة أسرع في تعميق العلاقات الثنائية.
ويزيد توقيت الزيارة من أهميتها. فقد أرهبت الحرب في غزة وأثرت في جميع علاقات المنطقة تقريباً، غير أن القاهرة وبكين، على الأقل في هذا الملف، تبدوان وكأنهما تقرآن من الصفحة نفسها. فكلاهما يؤكد ضرورة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل ضمن حل الدولتين، ويدعو إلى وقف عاجل لإطلاق النار. وكانت بكين قد استضافت في عام 2024 محادثات للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية المتنافسة.
كما تشعر الدولتان بقلق متزايد إزاء التصعيد في محيط مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من واردات الصين النفطية. وبالنسبة إلى مصر، فإن مصالحها في هذا الملف ليست استراتيجية فحسب، وإنما مالية أيضاً. فقد أدت الهجمات على حركة الملاحة في البحر الأحمر في وقت سابق إلى انخفاض إيرادات قناة السويس بأكثر من النصف، في ضربة قوية لاقتصاد يواجه بالفعل تحديات كبيرة ويخضع لبرنامج مع صندوق النقد الدولي.
وقليل من العلاقات الثنائية في العالم اليوم تتقاطع مصالحها بهذا القدر في الحفاظ على استقرار طرق الملاحة البحرية والتوصل إلى تسوية فلسطينية مستدامة.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات يتعين معالجتها، وتمثل هذه الزيارة فرصة حقيقية لتضييقها. فالسياحة الصينية إلى مصر، التي طالما جرى تقديمها باعتبارها أحد المناجم الذهبية المستقبلية للاقتصاد المصري، لم تستعد بعد مستوياتها السابقة. كما يتعين على مصر أن تحافظ على علاقات مستقرة مع واشنطن، سواء بسبب المساعدات العسكرية الأمريكية أو الدور الذي يؤديه صندوق النقد الدولي في الاقتصاد المصري، وهو ما يضع سقفاً لمدى إمكانية المضي في أي تحول استراتيجي كامل نحو الشرق.
ولهذا، ينبغي قياس نجاح الزيارة من خلال النتائج العملية وليس البيانات الختامية. ويمكن أن تشمل هذه النتائج تخفيض أو إزالة الرسوم الجمركية على الصادرات الزراعية والصناعية المصرية، وتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات، وتوسيع نطاق المنطقة الاقتصادية الصينية-المصرية «تيدا»، وتقديم ضمانات لإعادة جدولة الديون، وتعزيز التبادل الثقافي والأكاديمي، فضلاً عن إطلاق تحرك صيني-مصري مشترك وذي مصداقية من أجل تحقيق السلام في غزة.
كما تستحق الثقافة اهتماماً يتجاوز العبارات الدبلوماسية التقليدية. فهناك علماء آثار صينيون يعملون حالياً إلى جانب نظرائهم المصريين في عمليات التنقيب بمدينة الأقصر، بينما تعمل الجامعات المصرية على توسيع برامج تعليم اللغة الصينية «بوتونغهوا»، في الوقت الذي تعزز فيه الجامعات الصينية برامج تعليم اللغة العربية. ويمكن لبرنامج حافل وممول جيداً من الفعاليات بمناسبة الذكرى السبعين أن يؤدي دوراً هادئاً، لكنه عميق ومستدام، في تعزيز التفاهم بين الشعبين.
قبل سبعين عاماً، اتخذت مصر قراراً استشرافياً بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية الفتية، في وقت كانت فيه قلة من دول المنطقة مستعدة لاتخاذ مثل هذه الخطوة. وقد أثمر هذا الخيار التاريخي عن توسيع المجال الدبلوماسي أمام القاهرة وتعزيز نفوذها الإقليمي.
واليوم، يسير التوافق الاستراتيجي المتبادل بين البلدين في الاتجاهين. فالصين تضع ثقتها في مصر القادرة على الصمود، وترى أن بإمكان الدولة المصرية تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة والحفاظ على موقع دبلوماسي متوازن، رغم الرياح الإقليمية المعاكسة والتحديات المتواصلة.
وفي المقابل، ترى مصر في الدعم المالي والاستثماري الصيني، والإمكانات الهائلة للسوق الصينية، والرؤية الصينية المستقرة تجاه النظام العالمي، مساراً أكثر موثوقية للمضي قدماً، في ظل تغير أولويات الغرب وتذبذب القيادة العالمية.
ومن المنتظر أن تسهم زيارة الرئيس شي جين بينغ المرتقبة إلى القاهرة في نقل الصداقة المصرية-الصينية الممتدة على مدى سبعة عقود إلى مستوى أكثر ديناميكية من الشراكة، بما يترجم العلاقات التاريخية إلى تقدم ملموس وازدهار مشترك يعود بالنفع على شعبي البلدين.
الدكتور أحمد مصطفى هو مدير ومؤسس مركز آسيا للدراسات والترجمة – مصر، وباحث أول غير مقيم في معهد فيينا الدولي لدراسات الشرق الأوسط، فيينا، النمسا.




.png)
.jpg)
.jpeg)

.jpg)
.jpg)






