ما الذي يدور داخل عقل القاتل قبل لحظة الجريمة؟
في كل مرة تهز فيها جريمة قتل داخل الأسرة الرأي العام، تتجه الأنظار سريعًا إلى الصحة النفسية للمتهم، وتتصدر التساؤلات: هل كان يعاني مرضًا نفسيًا؟ وهل يمكن أن يدفع المرض صاحبه إلى ارتكاب جريمة بهذه القسوة؟
يؤكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن الإجابة ليست بهذه البساطة، مشددا على أن الغالبية العظمى من المرضى النفسيين لا يرتكبون جرائم قتل، وأن ربط المرض النفسي بالعنف بشكل عام يعد تصورا خاطئا، إلا أن هناك حالات مرضية محددة، وفي ظروف معينة، قد يرتبط فيها الاضطراب بارتكاب جريمة.

وأوضح فرويز أن الاكتئاب الشديد قد يصل ببعض المرضى إلى مرحلة خطيرة، إذ يصبح الشخص مهددا بإيذاء نفسه، وفي بعض الحالات قد يعتدي على أقرب المقربين إليه قبل أن يقدم على الانتحار، مؤكدا أن ذلك يحدث في نطاق محدود ويرتبط بشدة الحالة المرضية.
وأضاف أن مرضى الفصام قد يعانون هلاوس سمعية أو بصرية وضلالات تدفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن أحد أفراد الأسرة يشكل خطرا عليهم، وقد تصل هذه الهلاوس إلى إصدار أوامر مباشرة بالاعتداء أو القتل، خاصة إذا كان المريض لا يتلقى العلاج أو كانت حالته تفاقمت بسبب تعاطي المواد المخدرة.
وأشار إلى أن الوسواس القهري، إذا تُرك دون علاج لفترات طويلة، قد يولد لدى بعض المرضى أفكار قهرية ملحة ومخيفة، مثل تخيل إيذاء شخص عزيز أو الاعتداء عليه، لكنه شدد على أن وجود هذه الأفكار لا يعني بالضرورة تنفيذها، وإنما تستوجب التدخل العلاجي المبكر.

وتطرق فرويز إلى اضطراب الهلع، موضحا أن نوباته تتسبب في ارتفاع شديد لهرمونات التوتر، وهو ما يؤدي إلى أعراض جسدية عنيفة مثل خفقان القلب، وضيق التنفس، والرعشة، والتعرق، والشعور بقرب الموت، لافتا إلى أن بعض الحالات قد تتصرف بصورة اندفاعية تحت وطأة هذا الخوف الشديد، وإن كان ذلك ليس هو السلوك المعتاد.
كما لفت إلى أن مرضى الهوس قد يتسببون في إصابات أو اعتداءات نتيجة الاندفاع وفقدان القدرة على تقدير العواقب، وليس بدافع القتل المتعمد.
وأكد استشاري الطب النفسي أن أكثر الحالات تعقيدا هي اضطراب الشخصية أو الاضطراب التشككي، إذ قد يبدو صاحبه طبيعيا تمامًا في حديثه وتصرفاته، بينما يكون مقتنعا اقتناعا كاملًا بأن الضحية كانت تمثل خطرا عليه، ولذلك لا يشعر بالذنب بعد ارتكاب الجريمة، لأنه يرى أنه قام بالفعل الصحيح من وجهة نظره.
وأوضح أن تعاطي المخدرات يمثل عاملا شديد الخطورة، إذ قد يدفع بعض الأشخاص إلى ارتكاب جرائم عنيفة أثناء تأثير المادة المخدرة، ثم يبدون في اليوم التالي طبيعيين تمامًا بعد زوال التأثير، وهو ما يجعل تقييم حالتهم النفسية يحتاج إلى فحص متخصص.

وشدد على ضرورة التفريق بين المرض النفسي والمرض العقلي، موضحًا أن مريض الاكتئاب أو الوسواس أو الهلع يدرك أنه يعاني مشكلة ويطلب العلاج بنفسه، بينما المريض العقلي غالبًا لا يعترف بمرضه، ويعتبر أفكاره وهلاوسه حقيقة واقعة، وهو ما قد يؤثر على مسؤوليته الجنائية إذا ثبت أن المرض كان السبب المباشر في ارتكاب الجريمة.
واختتم فرويز حديثه بالتأكيد على أن الاضطرابات النفسية منتشرة عالميا، لكن هذا لا يعني أن أصحابها يشكلون خطرا على المجتمع، مضيفا أن تشخيص أي متهم نفسيا لا يمكن أن يتم عبر الانطباعات أو ردود الفعل، وإنما من خلال لجان طبية متخصصة وفحص دقيق للحالة، حتى لا يتحول المرض النفسي إلى تهمة تلاحق كل من يعاني منه.




.png)











.jpg)


.jpg)






