باحث لـ”النهار”: خطاب الناتو يكشف تحولًا غربيًا من رهان الحسم إلى إدارة الاستنزاف مع روسيا
أكد الأكاديمي الفلسطيني والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي أن البيان الختامي الأخير لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يعكس تحولًا في المقاربة الغربية للحرب الروسية الأوكرانية، معتبرًا أن الجمع بين الحديث عن فرص التسوية السياسية مع موسكو والاستمرار في تعزيز القدرات العسكرية للحلف لا يمثل تناقضًا، بل يعكس منطقًا استراتيجيًا يقوم على التفاوض من موقع القوة.
وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن البيانات الختامية لقمم الناتو لم تعد مجرد وثائق بروتوكولية، بل باتت تحدد اتجاهات المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن الحلف يواصل ترسيخ روسيا باعتبارها التهديد الإستراتيجي الأول لأوروبا، بالتوازي مع التزامه بمواصلة دعم أوكرانيا وتعزيز قدراته الدفاعية، رغم تصاعد الحديث الأمريكي عن تحريك مسار التفاوض مع موسكو.
وأضاف أن الدبلوماسية، في نظر القوى الكبرى، لا تنفصل عن القوة العسكرية، بل تستند إليها، وهو ما يفسر استمرار رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بالتزامن مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام أي تسوية سياسية مستقبلية.
تحول غربي
ورأى الباحث الفلسطيني أن الخطاب الغربي شهد تحولًا ملحوظًا مقارنة ببداية الحرب، إذ تراجعت، بحسب تقديره، الشعارات التي كانت تتحدث عن إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا وإضعافها لعقود، لتحل محلها لغة أكثر حذرًا تركز على تعزيز الردع واستدامة دعم أوكرانيا ومنع اتساع رقعة الحرب.
وأشار إلى أن هذا التحول لا يعكس تغييرًا في الموقف الغربي تجاه موسكو، وإنما يعبر عن إعادة تقييم لحدود القوة، بعد أن أثبتت الحرب أن العقوبات وحدها لم تحقق الأهداف المرجوة، كما لم تتمكن أوكرانيا، رغم الدعم العسكري الكبير، من حسم المعركة ميدانيًا، في حين لم تنجح روسيا أيضًا في فرض تسوية نهائية وفق رؤيتها، الأمر الذي أدخل جميع الأطراف في حرب استنزاف طويلة.
رسائل البيان
واعتبر العويوي أن أبرز ما حمله بيان الناتو لا يتمثل في استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، بل في تراجع الحديث عن انضمام كييف إلى الحلف مقارنة بالبيانات السابقة، وهو ما رآه مؤشرًا على إدراك متزايد داخل بعض العواصم الغربية لتعقيدات هذا الملف وتأثيره المحتمل على فرص أي تسوية سياسية مستقبلية.
وأضاف أن الولايات المتحدة تحاول إدارة توازن دقيق بين الحفاظ على تماسك الحلف وعدم إظهار أي تراجع أمام روسيا، وبين إدراكها أن استمرار الحرب يستنزف الجميع، في وقت تفرض فيه المنافسة المتصاعدة مع الصين إعادة توزيع الموارد والاهتمام الإستراتيجي الأمريكي.
وأشار إلى أن هذا التوازن يفسر استمرار الاتصالات السياسية مع موسكو بالتوازي مع مواصلة تقديم الدعم العسكري لكييف.
رهان الزمن
وأوضح الباحث أن موسكو تراهن على عامل الوقت، انطلاقًا من قناعتها بأن المجتمعات الغربية أقل قدرة على تحمل الحروب الطويلة، وأن الضغوط الاقتصادية، وتبدل الحكومات، والانقسامات السياسية داخل الغرب، قد تؤثر تدريجيًا في وحدة الموقف الداعم لأوكرانيا.
وأضاف أن روسيا تعول أيضًا على تطورات الميدان لفرض معطيات جديدة على أي مفاوضات مستقبلية، في ظل استمرار حالة الاستنزاف المتبادل بين الطرفين.
فرص السلام
وأشار العويوي إلى أن فرص التوصل إلى تسوية سياسية ستظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف للتخلي عن سقوفها التفاوضية المرتفعة، معتبرًا أن استمرار التمسك بالأهداف القصوى سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب، بينما يمكن أن تفتح التسويات المتوازنة الباب أمام إنهاء الصراع ومنع اتساعه.
وأضاف أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب الكبرى لا تنتهي بمجرد تراجع القدرات العسكرية، وإنما عندما تقتنع الأطراف بأن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من مكاسبها، لافتًا إلى أن هذه المرحلة، بحسب تقديره، باتت أقرب مما كانت عليه قبل عامين، لكنها لم تنضج بصورة كاملة بعد.
سباق التسلح
وحذر العويوي من أن استمرار الاعتماد على منطق الردع وحده قد يدفع أوروبا إلى مرحلة جديدة من سباق التسلح والاستقطاب، بما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن والاستقرار الدوليين، في حين أن نجاح الجهود الدبلوماسية في تحويل الوقائع الميدانية إلى تسوية سياسية متوازنة قد يضع حدًا لأخطر حرب تشهدها القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
واختتم الباحث تصريحه بالتأكيد أن بيان الناتو لا يغلق باب السلام، لكنه يوضح أن الوصول إليه سيظل مرهونًا بتوازنات القوة، معتبرًا أن السلام في العلاقات الدولية لا يتحقق عندما يعتقد المتحاربون أنهم قادرون على تحقيق النصر، بل عندما يدركون أن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من إنهائها، وهي المعادلة التي ستحدد، وفق تقديره، مستقبل أوكرانيا وأوروبا وشكل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.

















.jpg)






